فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 449

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة كان ملكًا عليها وكان نصرانيًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ يقال له: حسان فركب وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه به عليه.

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا.

قال ابن إسحاق: ثم إن خالدًا قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته فقال رجل من طيىء: يقال له بجير بن بجرة يذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته لتصديق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تبارك سائق البقرات إني ... رأيت الله يهدي كل هاد

فمن يك حائدًا عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ثم انصرف قافلًا إلى المدينة.

وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سبقنا إلى ذلك الوادي فلا يستقين منه شيئًا حتى نأتيه. قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئًا فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان فقال: أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئًا حتى آتيه! ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم. ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو به فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ما إن له حسًا كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن بقيتم أو من بقي منكم لتسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه.

قال: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر قال: فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات وإذا هم قد حفروا له ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول: أدنيا إلي أخاكما فدلياه إليه فلما هيأه لشقه قال: اللهم إني أمسيت راضيًا عنه فارض عنه. قال: يقول عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة.

قال ابن هشام: وإنما سمي ذا البجادين لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره والبجاد: الكساء الغليظ الجافي فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان قريبًا منه شق بجاده باثنين فاتزر بواحد واشتمل بالآخر ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ذو البجادين لذلك والبجاد أيضًا: المسح قال ابن هشام: قال امرؤ القيس:

كأن أبانًا في عرانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت