قلت: فالعجب كل العجب من بعض الخطباء الموصوفين بالعلم كيف يطيلون الخطبة حتى يتجاوز بعضهم ثلاثة أرباع الساعة أو أقل قليلًا ؟ ولربما قال الناس ليته سكت . ومن هنا يظهر الفقه الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث .
ولقد صدق ابن مسعود رضي الله عنه حينما قال: إنكم في زمان قليل خطباؤه كثير علماؤه ، يطيلون الصلاة ، ويقصرون الخطبة ، وسيأتي عليكم زمان ، كثير خطباؤه ، قليل علماؤه .. الحديث .
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ((564) انظر: مجمع الزوائد ( 2/ 417 ) . 564) . اهـ .
ولقد أحسن الشيخ على الطنطاوي حينما تحدث عن عيوب الخطبة في زماننا فقال:"من عيوبها هذا التطويل ، وهذا الإسهاب ، حتى لتزيد الخطبة الواحدة أحيانًا على نصف ساعة ، مع أن السنة تقصير الخطبة وتطويل الصلاة ، وألا تزيد الخطبة على سورة من أوساط المفصل ، وكذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولا خير فيما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ((565) انظر: فصول إسلامية ص ( 124 ) . 565) . اهـ ."
تنبيه:
هنا إشكال يتعلق بهذه المسألة وهو: هل المراد بالحديثين السابقين من ذكر طول الصلاة وقصر الخطبة متعلق بخطبة الجمعة مع صلاتها فقط ؟ بحيث يفهم منه أن ركعتي صلاة الجمعة ينبغي أن تكونا أول من الخطبة ، أو يفهم منه أن صلاة الجمعة تكون طويلة بالنسبة لعموم صلوات الجمع ، والخطبة تكون قصيرة بالنسبة لعموم خطب الجمع ، لا أن الخطبة تكون أقصر من صلاة الجمعة بخصوصها ؟ أو أن المراد طول صلاة الرجل مطلقًا بحيث تشمل كل الصلوات وقصر خطبة الرجل في الجمعة ؟.
فالجواب: أن الأمر يحتمل هذا وهذا .
قال الشوكاني: وظاهر الأمر بإطالة الصلاة في هذا الحديث - يعني حديث عمار - المخالفة لقوله في حديث جابر بن سمرة: كانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا ((566) انظر: نيل الأوطار ( 3 / 282 ) . 566) . اهـ .