وقال الخطابي: وقد قيل: إن المتكلمين على الناس ثلاثة أصناف: مذكِّر ، وواعظ ، وقاصّ . فالمذكِّر: الذي يذكِّر الناس آلاء الله ومنته ونعماءه ، ويبعثهم به على الشكر له ، والواعظ: يخوفهم بالله وينذرهم عقوبته فيردعهم به عن المعاصي ، والقاص: وهو الذي يروي لهم أخبار الماضين ، ويسرد عليهم القصص ، فلا يأمن أن يزيد فيها أو ينقص ، والمذكِّر والواعظ مأمون عليهما هذا المعنى ((56) انظر: معالم السنن ( 4/ 72 ) . 56) . اهـ .
فهذه الأدلة بمجموعها تدل على شدة النكير على من علم فلم يعمل بما علمه ، وهذه صفة من صفات اليهود وهم المغضوب عليهم الذين علموا فلم يعملوا .
قال ابن قدامة رحمه الله:"ويستحب أن يكون في خطبته متعظًا بما يعظ الناس به ؛ لأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( عُرض عليَّ قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار . فقيل لي: هؤلاء خطباء أمتك يقولون ما لا يفعلون ) ) ((57) انظر: المغني ( 3/180 ) وقد تقدم تخريج الحديث أول المبحث . 57) ."
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"يا حملة العلم ، اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم ، فوافق عمله علمه ، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم ، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه إذا جلس إلى غيره ((58) انظر: نحوه في الآداب الشرعية (2 / 53 ) . 58) ."
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن علامة الجهل ثلاث: العجب ، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه ، وأن ينهى عن شيء ويأتيه . اهـ ((59) انظر: جامع بيان العلم وفضله (1 / 143 ) . 59) .
وقال جندب بن عبدالله البجلي عن حديث ذكره:"إن مثل الذي يعظ الناس وينسى نفسه كالمصباح يحرق نفسه ويضيء لغيره". اهـ .
قال ابن عبدالبر معلقًا على هذا الكلام: أخذه بعض الحكماء فقال:
وبخَّت غيرك بالعمى فأفدته
كفتيلة المصباح تحرق نفسها
بصرًا وأنت محسِّنٌ لعماكا