ومما لا شك فيه أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إنما هو كالطبيب الذي يداوي الناس ، فمن العيب أن يصف الطبيب للناس الدواء وطرق الوقاية ثم هو لا يفعل ذلك .
ولقد أحسن أبو عثمان الحيري الزاهد حين قال:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى
طبيب يداوي والطبيب مريض
وقد كان سفيان الثوري ينشد متمثلًا وهي لسابق البربري في شعر له مطول:
إذا العلم لم تعمل به كان حجة
فإن كنت قد أوتيت علمًا فإنما
عليك ولم تعذر بما أنت جاهله
يصدق قول المرء ما هو فاعله ((64) انظر: صحيح جامع بيان العلم وفضله . اختصار الزهيري ( 260 ) . 64)
وقال أبو العتاهية:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهمًا كملبس الثوب من عريٍّ وعورتُه
إذ عبت منهم أمورًا أنت تأتيها
للناس بادية ما أن يواريها ((65) انظر: صحيح جامع بيان العلم وفضله . اختصار الزهيري ( 246 ) ، الآداب الشرعية (1 / 207 ) . 65)
وقال أيضًا:
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى
وريح الخطايا من ثيابك تسطع ((66) انظر: تفسير القرطبي ( 1 / 410 ) . 66)
وقال أبو حاتم البستي:"ليس الناصح بأولى بالنصيحة من المنصوح له" ((67) انظر: روضة العقلاء ص ( 195 ) . 67) اهـ .
فيتضح مما سبق ذكره خطورة هذا الأمر ، وأن على الخطيب أن يراعيه أشد المراعاة ؛ لأن الناس إذا علموا منه ذلك فإنهم يزدرونه ، ويكون عندهم محلًا للشماتة فضلًا عن عقوبة ذلك في الآخرة واشتداد إثمه ، والله المستعان .
تنبيه:
قد يقول قائل: هناك من الخطباء من قد يتوقف عن أمر بمعروف معين أو نهي عن منكر معين ؛ لأنه لا يفعل الأول ، أو أنه متلبس بالثاني ، فلذلك يترك مثل هذا خشية أن يكون ممن يقول ما لا يفعل .
والجواب على هذا الإشكال أورده من خلال بعض النقولات عن بعض السلف . فمن ذلك: