وبهذا يتضح أثر هذا المسلك وأنه مظنة الزلل للخطيب ، والمفضي إلى الوقوع في مغبة الإثم ، إذ على الخطيب أن يقول الحق لوجه الله لا ينظر فيه إلى رغبة جمهور ، ولا إلى رغبة سلطان ، ولا غيره ، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} ((80) سورة الأحزاب:آية 39. 80) . لقد أورد الزبيدي شارح الإحياء كلامًا مفيدًا حول التماس سخط الله برضا الناس ، فذكر قصتين واقعتين قائلًا: وقد اتفق أن الملك الظاهر بيبرس رحمه الله تعالى لما وصل الشام وحضر لصلاة الجمعة ، أبدع الخطيب بألفاظ حسنة يشير بها إلى مدح السلطان ، وأطنب فيها ، فلما فرغ من صلاته أنكر عليه وقال مع كونه تركيًا: ما لهذا الخطيب يقول في خطبته السلطان السلطان ، ليس شرط الخطبة هكذا ، وأمر به أن يضرب بالمقارع ، فتشفع له الحاضرون . هذا مع كمال علم الخطيب وصلاحه وورعه ، فما خلص إلا بعد الجهد الشديد .
واتفق مثل هذا لبعض أمراء مصر في زماننا ، لما صلى الجمعة في أحد جوامع مصر ، وكان مغرورًا بدولته مستبدًا برأيه ، وربما نازعته نفسه في خلافة على مولانا السلطان نصره الله تعالى ، فأطنب الخطيب في مدحه بعد أن ذكر اسمه بعد اسم السلطان ، فلما فرغ من صلاته أمر بضرب ذلك الخطيب وإهانته ونفيه عن مصر إلى بعض القرى . فهذا وأمثال ذلك ينفي للخطباء أن يلتمسوا سخط الله تعالى برضا الناس ؛ فإن ذلك موجب لسخط الله تعالى والمقت الأبدي ، نسأل الله العفو منه آمين ((81) انظر: اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للزبيدي (3 / 231 ) . 81) . اهـ .