الأمة الإسلامية أمة غراء ، سمة شريعتها أن يعبد الله وحده في الأرض ، وزمام هذا وقطب رحاه هو الدعوة إلى ذلك وبثه بالأقوال والأفعال . ولما كان القول باللسان له وقع في القلب ، وتأثير حسن في أذن السامع ، ولأن الدعوة تستدعي ألسنة قوالة من أهل الإسلام لتأييده ونصره ، ونشر تعاليمه ومبادئه على أحسن وجه وأكمل حال ؛ فإن مخاطبة الحشود والجماعات قلما تتفق بصفة متكررة إلا في الجمع والأعياد ، ولعل من أوائل أنواع الخطابة في الإسلام هو ما صدع به المصطفى صلى الله عليه وسلم بين ظهراني قريش بعدما أنزل الله عليه قوله: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فصعد على الصفا ثم نادى: (( يا صباحاه ) )فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا بني عبدالمطلب ، يا بني فهر ، يا بني لؤي ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم ، صدقتموني ؟ ) )قالوا: نعم . قال: (( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) ). فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؛ فأنزل الله {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} رواه البخاري ومسلم ((1) انظر: صحيح البخاري برقم ( 4801 ) ، وصحيح مسلم برقم ( 208 ) . 1) .
فخطابة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع لم يعهد لها من قبل مثيل بهذه الكيفية ، وهذا التوقيت وهذه الجرأة ، ولذلك كانت من أهم الحوادث وأعظم البواعث للدعوة الجهرية التي أطلقت الألسن من عقالها ، وأثارت الخطابة في الإسلام من مكمنها ، وأغرت العقول بأحكامها والتفنن فيها ، واختلاب الألباب بسحر بيانها فوق ما كانت عليه في جاهليتها . كيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل في معرض حديث عن الخطبة: (( إن من البيان لسحرًا ) )رواه البخاري ومسلم ((2) انظر: صحيح البخاري برقم ( 5146 ) ، وصحيح مسلم برقم ( 869 ) . 2) .