فهرس الكتاب

الصفحة 1013 من 2090

ما يحمل عليه حديث:(الشؤم في ثلاثة)

قال الشارح رحمه الله:[فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها، قال: عكرمة كنا جلوسًا عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال: ابن عباس رضي الله عنه: لا خير ولا شر، فبادره بالإنكار عليه؛ لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر، وخرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاوس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني انتهى ملخصًا.

وقد جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جواز الطيرة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (الشؤم في ثلاث: في المرأة، والدابة، والدار) ونحو هذا، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إخباره صلى الله عليه وسلم في الشؤم في هذه الثلاثة ليس فيها إثبات الطيرة التي نفاها الله سبحانه، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانًا مشئومة على من قاربها وساكنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدًا مباركًا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدًا مشئومًا يريان الشر على وجهه، وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية أو غيرها فكذلك الدار والمرأة والفرس].

قوله: (إن يكن الشؤم في شيء ففي ثلاث) (إن) هنا شرطية، يجوز وقوع الشرط ويجوز عدمه، والمقصود بالشؤم: الأخلاق التي تصدر ممن يتشاءم بأخلاقه وأفعاله، وليس أن هناك أمورًا مقدرة في الغائب تقع على هذا في مصاحبته أو مقارنته له، وهذه الأمور الثلاثة غالبًا ما تلازم الإنسان: فالمرأة قد تطول صحبتها مع الإنسان، وكذلك الدار، وكذلك الفرس؛ والفرس عند العرب كالولد، فإذا اشترى العربي فرسًا فإنه يعتنى بها ويخدمها؛ لأنهم يرون أن بها عزهم ومنعتهم من الأعداء، فلهذا يقدمونها على الأولاد في الإكرام والطعام، ويعتنون بها كثيرًا، بخلاف غيرها من الدواب، فإنها سرعان ما تستبدل أو تذهب عند أي مناسبة.

فلما كانت هذه الأشياء تكثر ملازمتها للإنسان، ويصعب مفارقته إياها، فالمرأة قد تكون حسنة الأخلاق مطيعة، وتنظر الشيء الذي يلائم زوجها فتفعله، فيكون فيها سعادة له وبركة، وقد تكون بالعكس، فإذا كانت بعكس ذلك صار ذلك شؤمًا عليه من جراء أخلاقها، وليس من الأمور المستقبلة، والدار كذلك قد تكون مثلًا ضيقة، وقد يكون فيها أو حولها ما يتأذى به، وهو يصعب عليه استبدال تلك الدار بدار بأخرى، فيقع عليه الشؤم، ولكن إذا وقع شيء من ذلك للإنسان فينبغي أن يستبدل به غيره، فيفارق المرأة، ويفارق الفرس بفرس غيرها، ويفارق كذلك الدار إلى دار أخرى ترتاح فيها نفسه، هذا هو المعنى المقصود من قوله: (إن كان الشؤم في شيء) .

قال الشارح رحمه الله:[والله سبحانه خالق الخير والشر، والسعود والنحوس، فيخلق بعض هذه الأعيان سعودًا مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها، وحصول اليُمن والبركة له، ويخلق بعضها نحوسًا يتنحس بها من قاربها.

وكل ذلك بقضائه وقدره، كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، كما خلق المسك وغيره من الأرواح الطيبة، ولذذ بها من قاربها من الناس، وخلق ضدها وجعلها سببًا لألم من قاربها من الناس.

والفرق بين هذين النوعين مدرك بالحس، فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لون والطيرة الشركية لون.

انتهى].

إذا اعتقد أن عينًا من الأعيان تكون منحوسة أو مسعدة، فهذا هو الذي جاء النهي عنه، لأن المقصود في الحديث إنما هو ذلك الشيء الذي تعمله هذه العين: أخلاقها وأعمالها، فإنها قد تكون شرًا، وكإنسان مطبوع على الشر، وعلى كراهية الخير، وأعماله سيئة، فمفارقة مثل هذا راحة ومقاربته شؤم، وقد يكون بخلاف ذلك، فيكون كل من قاربه أو صاحبه مرتاحًا معه، بل يكون معاونًا له على الخير، أما الدار فليس لها أخلاق، ولكن قد يصاب الإنسان فيها بمصائب، فيجد نفسه يكره هذا المكان فله أن يفارقه لأن النفس جبلت على أن تنفر من المكان الذي أصيبت فيه بمصيبة، أما المكان فليس له تأثيرًا بدًا، هذا هو المقصود، أما أن يعتقد أن هناك مخلوق منحوس ومخلوق سعود، فهذا ليس بصحيح، والصحيح أن أخلاقه وأعماله هي التي تكون نحسًا أو سعدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت