قال المصنف رحمه الله: [وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أحلف بغيره صادقًا] .
معلوم أن الكذب محرم في جميع الأديان، ولا يجوز للمؤمن أن يكذب، كما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل له: (أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، قيل: أيزني المؤمن؟ قال: نعم، قيل: أيكذب المؤمن؟ قال: لا) ، وأخبر أن الكذب لا يصلح في شيء، ولكن رخص فيه في ثلاثة مواضع: في الحرب، والرجل لزوجه أو المرأة لزوجها، ولا يتضمن ذلك إبطال حق أو إغفاله أو إحقاق باطل، أو الرجل يصلح بين المتخاصمين، وفي الواقع أن هذه الأمور الثلاثة هي من المعاريض وليست من الكذب.
يأتي إنسان مثلًا إلى المتخاصمين يقول: أنتم إخوة فلان يحبك ويريد لك الخير والفلاح ونحو هذا الكلام يريد به أن يصلح ما بينهما.
وكذلك كلامه مع زوجه، وكذلك في الحرب أن يوري إما في القول أو الفعل خلاف ما يقصد، وما عدا ذلك فلا يجوز الكذب في شيء من الأشياء.
والصدق حسنة وهو من صفات المؤمنين، والله يحض عليه ويأمر به، ويقول: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119] ، ومع هذا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا) والسبب في هذا: أن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم الذنوب وأكبرها، وهو رضي الله عنه لا يحب هذا ولا هذا، ولكن يريد أن يبين المفاضلة بين الكذب فيما هو توحيد وعبادة لله وما هو شرك.
قوله (لأن الحلف بالله كاذبًا) قيل: إنها هي اليمين الغموس، وقد جاء عَدُّ ذلك في الموبقات التي توبق صاحبها في النار وتهلكه إذا حلف بالله كاذبًا، وقال آخرون: إن اليمين الغموس هي أن يحلف كاذبًا على حق لغيره ليقتطعه بيمينه.
والمقصود بهذا: أن حسنة الصدق لا تساوي ولا تقاوم سيئة الشرك في أي وجه من الوجوه، وسيئة الشرك أعظم من الكذب، بل الشرك هو أعظم الذنوب، وقد جاء ذلك صريحًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) ، والند هو الشريك، ويشمل أن يكون ندًا في العبادة أو الصفات أو الأفعال التي يفعلها الله جل وعلا، فإذا جعل الإنسان لله ندًا في ذلك فقد وقع في الشرك الذي هو أعظم الذنوب، والحلف من هذا.
وهذا يدلنا على عظم الشرك عند الصحابة رضوان الله عليهم، وأنهم عرفوا عظمه، بخلاف الذين يأتون بالمتناقضات، يقول: لا إله إلا الله وهو يدعو ميتًا رميمًا تحت التراب يستغيث به ويناديه، وقد يطوف بقبره أو يسجد عليه، أو يأخذ من ترابه، أو يقدم له نذرًا، وما أشبه ذلك.
وهذا كله من الشرك الأكبر الذي إذا مات عليه الإنسان يكون خالدًا في النار؛ لأن الله جل وعلا يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] ، ويقول: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة:72] .
وليس الشرك هو الاعتقاد أن فلانًا شارك الله في خلق السموات والأرض، أو أنه شاركه في إنزال المطر، أو الإحياء والإماتة والتصرف، فإن هذا لا يعتقده عاقل، وإنما كان شرك المشركين الذين بعثت إليهم الرسل هو من طريق طلب الوساطة: أنهم يطلبون من المخلوق أن يكون واسطة لهم عند الله يقربهم إلى الله ويشفع لهم، هذا هو الشرك الأكبر الذي كثر ذكره في كتاب الله جل وعلا حتى نعلم أن فئامًا من المسلمين لا يعلمون الشرك، ولا يعرفون حقيقة الشرك، ولا يعرفون حقيقة التأله والعبادة مع أن هذا لا يعذر في جهله أحد؛ لأنه من الأمور الضرورية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم.
على كل حال هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود يبين لنا خطر الشرك، وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد عرفوا قدر التوحيد، وأن الشرك أكبر من جميع الذنوب.