فهرس الكتاب

الصفحة 1565 من 2090

[الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم] .

وهذا مأخوذ من القصة نفسها، أي: من أنه يخشى أن يخرج المولود في غير صورة الإنسان، بل يجوز أن يخرج رأسه رأس حيوان أو له قرون أو مشوهًا أو ناقصًا أو زائدًا، وقد شاهد الناس أشياء كثيرة من هذا القبيل، فإذا ولد للإنسان بنت خلقتها تامة وسوية فهي من النعم التي يجب عليه أن يشكرها.

لماذا يقول هذا؟ لأن كثيرًا من الناس لا يرضى بالبنت، ويرى أنه إذا ولد له بنت فقد أصيب بمصيبة، وهذا ورثوه من الجاهلية الذين يقول الله جل وعلا فيهم: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} [النحل:58 - 59] ، مع أنهم -قبحهم الله- يجعلون الملائكة بنات الله، تعالى الله وتقدس، فهم يأنفون من أن تكون لهم الإناث وينسبون الإناث لله تعالى الله وتقدس، وإذا بشر أحدهم بالأنثى تصير هذه حالته: {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} [النحل:59] يعني: أنه إذا بشر أنه رزق بنتًا ينحرف من الناس ويذهب حتى لا يعير بذلك؛ لأنه بشر بأمر سيئ، ثم يصبح يفكر في نفسه ماذا يصنع: هل يمسكها على هون، أي: على إهانة وازدراء واحتقار يحتقرها ويهينها، أم يأخذها ويدفنها في التراب حيةً كما كانوا يفعلون؟ وهذا من الإجرام نسأل الله العافية.

فمثلًا: قد تولد له بنت وعنده شيء من هذا الإرث القبيح؛ لأن البنت نعمة من النعم، وقد تكون البنت خيرًا من الذكر، وأفضل وأصلح وأحسن وأبر، وكذلك قد تكون أنفع للإنسان من الذكر، ثم إذا احتسب ورباها وأنفق عليها وعلمها وأدبها يعظم له الأجر مما لو قام على ابنه.

إذًا: آدم عليه السلام جعل هبة البنت للإنسان من النعم التي يجب أن يشكر الله عليها، فيجوز أن يكون المولود مشوهًا أو يخرج بصورة حيوان، أو مجنونًا لا عقل معه، ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذا بشرت بمولود من أقاربها سألت عن خلقته: هل خلقته سوية؟ فإذا قالوا: نعم، قالت: الحمد لله على نعمته، ولا تسأل: هل هو ذكر أم أنثى؟ والإنسان يجب عليه أن يعتبر من حالة الجاهلية وحالة الكفار، ويحمد الله جل وعلا حيث عافاه من ذلك، فهي منة عليه منّ الله جل وعلا بها، أن جعله مسلمًا سالمًا من الشرك والكفر، ومن الظلم الذي يكون في المولود، الذي هو من أعظم الظلم، وقد قال الله جل وعلا: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:8 - 9] يعني: أنها تسأل أولًا -لعظم الأمر- فيقال لها: بأي ذنب قتلت؟ يسألها الله جل وعلا، فتقول: لا ذنب لي، طفلة صغيرة، لا تأكل ولا تعرف شيئًا، وهذا من أعظم الجهل، وأكبر الظلم، وقد كان من العرب من يفعل هذا خوفًا من العار، وخشية أن تزني بنته أو تسبى ويأخذها أعداؤه، وطائفة منهم تفعل ذلك خوفًا من الفقر، فكله جهل وظلم، وما جاء في سنن الدارمي في ذكر الحديث المتقدم يقول:(جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أخبرني عن أمر لقد أهمني وأغمني، فقال: نعم.

قال: إنه كان لي ابنة، فلما سمعت الإجابة - يعني: أنها كبرت قليلًا- دعوتها يومًا فكانت لدعوتي سعيدة - يعني: أجابته بسرعة - يقول: فأخذت بيدها وذهبت بها إلى بئر بعيدة عن البيوت.

يقول: فألقيتها في البئر، فآخر ما سمعت من كلامها أنها قالت: يا أبتاه! فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الحاضرون: ويلك أحزنت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعه يسأل عما أهمه)فكيف تطيب نفسه يلقي بنته في هذا البئر؟ لولا الشيطان والأوضاع التي كانوا عليها ما فعل، ورحمة الله على الإنسان الذي عافاه الله من السوء؛ لأن السوء هو الذي يكون ظاهرًا جليًا، وقد يزين لبعض النفوس فيصير حسنًا.

[المسألة الخامسة: ذك السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت