ثم قال جل وعلا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} [الأنعام:153] .
يعني: ووصاكم بأن هذا الذي تقدم به إليكم هو صراط الله.
وصراط الله هو دينه الذي شرعه لعباده: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} [الأنعام:153] يعني: واضحًا جليًا لا اعوجاج فيه ولا خفاء.
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام:153] أي: اسلكوه {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153] ، فهذه في الواقع من الآيات العظيمة الجامعة التي من حفظها حفظ دينه، وبُدئت بالنهي عن الشرك؛ لأن النهي عن الشرك يستلزم عبادة الله، وعبادة الله لا تكون إلا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي تستلزم معرفة الله والعمل بدينه ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم.
[قال العماد ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله: (تعالوا) أي: هلموا وأقبلوا (أتل) أقص عليكم (ما حرم ربكم عليكم) حقًا لا تخرصًا ولا ظنًا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده، (ألا تشركوا به شيئًا) ، وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق تقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئًا، ولهذا قال في آخر الآية (ذلكم وصاكم به) اهـ.
قلت: فيكون المعنى: حرم عليكم ما وصاكم بتركه من الإشراك به.
وفي المغني لـ ابن هشام في قوله تعالى: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام:151] سبعة أقوال، أحسنها هذا الذي ذكره ابن كثير، ويليه: بين لكم ذلك لئلا تشركوا.
فحذفت الجملة من أحدهما -وهي: (وصاكم) - وحرف الجر وما قبله من الأخرى].
لغة العرب التي عرفها من اعتنى بها أفصحها وأعظمها أن يحذف الشيء الذي يعرفه السامع ولا يحتاج البليغ إلى ذكره، فإذا حُذف يكون أبلغ وأفصح، والقرآن سار على هذا النهج.