فهرس الكتاب

الصفحة 1220 من 2090

شرح حديث:(إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله)

[قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله؛ إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره) ] .

هذا الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية محمد بن مروان السدي الصغير، وكذلك من رواية عطية العوفي، وكلاهما متروك، ومثل هذا -إذا كان بمثل هذا السند- متفق على ضعفه، ولكن هذا الحديث معناه صحيح وثابت في نصوص أخرى، ولهذا ذكره، أما لو كان المقصود به الاعتماد عليه، فإنه لا ينبغي له أن يذكره؛ لأن مثل هذا لا ينبغي أنه يذكر، وإنما ذكره لأجل المعنى الصحيح فقط.

ومعنى هذا الحديث واضح وجلي: وهو أن رزق الله لا يجلبه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره، فإذا قدر الله لك شيء، فعملك الذي تعمله وتحرص عليه لم يؤد إلى زيادة شيء لم يكتبه الله لك.

وكذلك كراهة الناس بأن يمنعوك مما كتب الله لك هذا لا يمكن، وهذا المعنى هو الذي جاء به حديث ابن عباس: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يستطيعوا ذلك، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يستطيعوا ذلك، جفت الأقلام وطويت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة) ، رواه الترمذي وغيره، وهذا معنى هذا الحديث، فمن ضعف اليقين أن يرضي الإنسان الناس بسخط الله، واليقين المقصود به غاية الإيمان؛ لأن اليقين أعم من مجرد التصديق.

فإذا أصبح يطلب رضى الناس بسخط الله، فمعنى ذلك أن إيمانه إما أن يكون ناقصًا أو معدومًا، وعلى العكس: إذا كان الإنسان يرضي الله بسخط الناس فإن هذا دليل على قوة إيمانه وأن عنده يقين؛ لأنه خاف الله ولم يخف الناس، وطلب رضى الله ولم يبال بسخط الناس، فالعكس بالعكس تمامًا.

ثم أخبر أن الرزق لا تجلبه الأسباب الظاهرة إذا لم يرده الله؛ لأن الله هو مسبب الأسباب، وهو الذي رتب المسببات على السبب، ولو شاء لعطل ذلك ومنعه، وليس معنى هذا أن الإنسان يترك السبب، كلا، فالسبب يفعل؛ لأن ترك السبب قدح في الشرع.

والله أمر بفعل الأسباب، ولكن لا يجوز الاعتماد عليها، فإن الاعتماد عليها شرك بالله جل وعلا، وتعطيلها قدح في العقل والشرع، وكل شيء جعله الله سببًا ينبغي أن يفعله العبد، معتمدًا على الله جل وعلا في حصول المراد، فإن حصل له المراد حمد الله وأثنى عليه، وعبده بهذه النعمة التي حصلت له، وازداد إيمانًا على إيمانه، وإن لم يحصل له المطلوب فلا يعود على ذم الناس، وكأنه لا يعلم أن هذا بتدبير الله، وأنه لو أراد جل وعلا لصار، فلا ينبغي أن ينظر إلى السبب على أنه هو المؤثر الجالب أو المانع، بل المؤثر هو الله جل وعلا، الذي قدر الأقدار وجعل لها أسبابًا وموانع.

وعليه؛ إذا حصل له على يد أحد من الناس رزقًا فلا يشكر هذا الإنسان كالذي يعبده، بل يشكر الله جل وعلا، ويعلم أن ذلك من الله، وليس معنى ذلك أنه أيضًا ينسى الفضل الذي يرتبه الله جل وعلا على بعض أيدي عباده، فقد جاء في الحديث: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله) ، وجاء فيه أيضًا: (ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه) ، ومن المعلوم أن الإنسان لا يصنع المعروف بقوته وخلقه وإيجاده وإنما يكون سببًا، والمكافئة إما بإعطائه، وإما بالدعاء له، أما أن يجعل قلبه متعلقًا به فيعطيه ما يعطي الله، فهذا حرام، وهو من الشرك الذي لا يجوز.

هذا هو معنى هذا الحديث، وكما سبق أن ألمحنا أن هذا الحديث في ذاته لا يعتمد عليه في إثبات حكم أو نفيه، وإنما جاء به المصنف لأن معناه وافق نصوصًا أخرى.

قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي وأعله بـ محمد بن مروان السدي، وقال: ضعيف، وفي إسناده أيضًا عطية العوفي ذكره الذهبي في الضعفاء والمتروكين، وموسى بن بلال، قال الأزدي: ساقط، ومعنى الحديث صحيح، وتمامه: (وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط) ] .

هذه الجملة الأخيرة يظهر أنها حديث آخر، ولهذا ذكره البخاري معلقًا في بعض تراجم صحيحه، وذكر الحافظ أن هذه الجملة الأخيرة رواها الطبراني في المعجم، وأن سندها حسن، فيظهر أن هذا أيضًا حديث آخر، وإن كان ذاك من تمامه، فهذا من معنى قوله: إن معناه صحيح، يعني: أنه وافق نصوصًا أخرى في المعنى.

قال الشارح رحمه الله تعالى:[قوله: (إن من ضعف اليقين) ، الضعف: يضم ويحرك ضد القوة، ضعف ككرم ونصر، ضعفًا، وضعفة، وضعافية، فهو ضعيف وضعوف وضعفان، والجمع: ضعاف وضعفاء وضعفة وضَعْفى وضعَفى أو الضعف -بالفتح- في الرأي، وبالضم في البدن فهي ضعيفة وضعوف.

و (اليقين) المراد به كمال الإيمان، كما قال ابن مسعود: (اليقين الإيمان كله، والصبر نصف الإيمان) ، رواه الطبراني بسند صحيح وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد من حديثه مرفوعًا] .

يعني أن اليقين: الإيمان الكامل، هذا معناه، وإذا كان كذلك فإنه إذا وقع لإنسان ما يضعف يقينه فليس هذا دليل على أنه ليس عنده إيمان، ولكن دليل على أن إيمانه ضعيف.

قال الشارح: قال: ويدخل في ذلك تحقيق الإيمان بالقدر السابق، كما في حديث ابن عباس مرفوعًا: (فإن استطعت أن تعمل بالرضى في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا) ، وفي رواية: (قلت: يا رسول الله! كيف أصنع باليقين؟ قال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت