فهرس الكتاب

الصفحة 1247 من 2090

إذا استشعر الإنسان هذا بحقيقته وعرفه فإنه يحدوه إلى العمل؛ وذلك لأنه أولًا يؤمن بأن الله يعذب العصاة، فإذا وقع في المعصية يجب عليه أن يخاف فيحترز من ذلك، ويحدث توبة وأعمالًا يرجو أن يقبلها الله منه ويعفو عما سلف.

فأولًا: يكون مؤمنًا بأن الله لما توعد ووعد أنه لابد من وقوع ذلك، فيجتنب الأعمال التي يترتب عليها الوعيد، ويفعل الأعمال التي يترتب عليها الوعد.

ثانيًا: من الأمور التي تدفع الإنسان إلى أنه يجتهد: أنه لا يدري هل قبلت أعماله أو ردت؛ لأن الأعمال لها آفات كثيرة، والله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه وكان على سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110] ، قوله: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} : يعني على السنة، أما إذا كان على غير السنة فهو ليس بصالح: {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} أي: يجب أن يكون العمل خالصًا لله جل وعلا لا يقصد به غير الله.

الأمر الثالث: أنه لا يدري على ماذا يموت، فيجوز أن يموت على غير ما عاش عليه، والأمور كلها بيد الله يتصرف فبها كيف يشاء، فمن شاء أن يهديه هداه ومن شاء أن يضله أضله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:27] ، فيخاف من سوء الخاتمة فقد يؤخذ الإنسان بغتة على أسوأ أعماله، وهذا مشاهد، فقد يكون الإنسان في أسوأ حالة ثم يموت على ذلك، نسأل الله العافية.

فهذه الأمور تجعل الإنسان يجتهد، وإذا اجتهد فيجب أن يكون اجتهاده على وفق أمر الله، فيكون بين هذا وهذا خائفًا راجيًا، فذكر الجنة والنار سيكون حاديًا للعمال الذين يعملون للجنة ومانعًا لهم عن العمل الذي يقرب إلى النار، أما رب العالمين جل وعلا فإنه غني بذاته عن عمل عباده كلهم، فلا تنفعه طاعة المطيع ولا تضره معصية العاصي، ولو أن عباده كلهم صاروا على أكفر قلب رجل واحد منهم ما ضره ذلك بشيء، وإنما يضرون أنفسهم فقط، ولهذا جاء في الحديث القدسي أن الله جل وعلا يقول: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، ثم قال: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله؛ -لأن ذلك بتوفيقه وبنعمته وفضله- ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) , النفس هي الملومة؛ لأنها هي التي اكتسبت ذلك، ولا يدخل أحد النار إلا بعمله، كما أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بالأسباب التي جعلها الله سببًا لذلك، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر مناديًا بالمجامع أن ينادي: (إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) ؛ ليكون ذلك معلومًا، ويكون ذلك بلاغًا بلغ به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا، فعلى الإنسان أن يسعى لخلاص نفسه على وفق إرشاد الله لنا وتوجيهه لنا، فنخاف ذنوبنا ونرجو رحمة ربنا دائمًا، مع فعل الأوامر واجتناب النواهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت