وقوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا) الصالح إما أن يكون صالحًا في البدن وهو الظاهر، أي: ليس فيه عيوب، وليس مشوهًا، وإنما هو مخلوق من بني آدم سوي كامل الخلقة، وسيأتي أن المؤلف استنتج من هذا أن البنت إذا ولدت لإنسان فإنها من نعم الله، ويجب أن يشكر الله عليها؛ لأنها لم تكن مولودًا مشوهًا أو ذاهب العقل أو ذاهب بعض القوى، أو غير كاملة الخلقة، بل هي نعمة من النعم التي يجب أن يشكر الله عليها.
والناس اليوم أقسام في هذا، فمنهم من يعمل أعمالًا منذ أن يعرف أن الزوجة حملت، فيتردد بها على المستشفيات، ويحدث في هذا أمورًا غير مشروعة: من كشف العورات، ومباشرة الطبيب للمرأة من غير حاجة، ثم في النهاية إذا ولد المولود يقول: نحن قمنا بالأسباب حتى جاء المولود في الوقت المناسب وعلى الوضع المناسب، وهذا نوع من كفر النعمة، فالطبيب وغيره ليس لهم دخل في هذا، فإن هذا كله من الله.
وقسم أعظم من هذا، ويوجد في بعض المجتمعات الإسلامية وللأسف، فإذا كانت المرأة عاقرًا لا يولد لها تذهب إلى قبر من القبور التي يقال عنها: قبور أولياء، ثم تستنجد به وتقول: أريد ولدًا، وربما تحمل بتقدير الله جل وعلا وإرادته، فينسبون ذلك إلى هذا الولي، وأنه بواسطة الولي الذي استغاثوا به وطلبوا منه، فهذا من الشرك الأكبر الذي ينافي التوحيد، نسأل الله العافية.
وقسم آخر أقل من هذا، ولكن المقصود أنه إذا ولد للإنسان مولود سواء كان ذكرًا أو أنثى، وكان تام الخلقة، صالحًا في بدنه، ليس فيه تغيير في خلقته، فإن هذه نعمة كبيرة يجب على الوالدين أن يشكراها.
وقعت قضية في بعض المستشفيات حديثًا، وفيها عبرة للإنسان الذي يعتبر كان رجل من الناس رزقه الله عددًا من البنات، ثلاثًا أو أقل أو أكثر، وفي الحمل الأخير قال لزوجته: إن أتيت ببنت فأنت طالق! فالمرأة الضعيفة المسكينة ذهبت إلى المستشفى فوضعت، وإذا بالمولود بنت، فصارت تبكي، فسألوها: ما السبب؟ فأخبرتهم، وكان هناك طبيب عاقل، فقال للموظفين: إذا أتى الزوج فأرسلوه إلي قبل أن يرى زوجته أو يرى بنته، فجاء إليه، وكان يوجد في المستشفى مولود ذكر مشوه في خلقه، فأخذه وذهب به إليه وقال: أنت القائل كذا لزوجتك؟ فإن الله قد عاقبك، فتعال وانظر، فذهب به إلى المولود المشوه، فلما رآه صار يبكي كثيرًا، فقال الطبيب: هذا عقابك على ما قلت، فقال: لن أعود لمثل هذا، ثم قال له: أما الآن فليس هذا ولدك، ولدك هي بنت صالحة، واحمد الله واستغفر مما وقعت فيه، فصارت موعظة له.
فالمقصود: أن الولد إذا كان صالحًا في بدنه سواء كان ذكرًا أو أنثى نعمة كبرى يجب على الأب أن يشكر ربه عليها، وقد كان يمكن أن يكون رأسه رأس كلب، أو يكون له رأسان، أو لا يكون له رأس أصلًا، أو لا يكون له رجل، والحوادث كثيرة في هذا، والإنسان يجب أن يعتبر؛ ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذا بشرت بمولود لأقربائها سألت عنه: هل هو صالح؟ هل هو كامل الخلقة ليس فيه عيوب؟ ولا تسأل: هل هو ذكر أم أنثى؟ فإذا قيل لها: نعم، قالت: الحمد لله، أي: الحمد لله على هذه النعمة الكبرى.