فهرس الكتاب

الصفحة 805 من 2090

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ ابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم:19] قال: كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره، وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: (كان يلت السويق للحاج) ].

يعني: أن اللات الذي كان يعبده أهل الطائف، وهو من أكبر الطواغيت في الجاهلية، وقد كان رجلًا يلت السويق، والسويق: هو الحب الذي يحمص على النار ثم يطحن، ثم يوضع معه سمن أو زيت ويخلط ويؤكل، وقد يكون معه غير ذلك، وذكروا في سبب هذا أنه كان يصنع هذه الأشياء، وكان له غنم يأخذ منها السمن، ويجعل السويق ثم يقدمه لمن يأتي إليه، وفي بعض الآثار: أنهم إذا أكلوا من سويقه سمنوا، فصار ذلك فتنة، فلما مات دفنوه تحت صخرة ونقشوا عليها نقوشًا، وصاروا يطوفون بها، ويجلسون عندها للتبرك بها، ثم صاروا يطلبون من الله أن تشفع لهم.

وسبق أن اللات فيه قراءتان: قراءة التخفيف اللات، وقراءة التشديد اللّاتّ.

يعني: مثقلة مشددة، وإذا كانت القراءة مشددة مثقلة فهي على ما قال مجاهد، وأبو الجوزاء عن ابن عباس: (أنه كان يلت) مأخوذ من اللت، اللاتّ يعني: كان يلت السويق، يلته يعني: يخلطه بالزيت أو بالسمن، فهذا هو لته، أي: يخلطه بالزيت أو السمن ثم يقدمه لمن يأكله، فهذا في زمن حياته، فلما مات عظموه بأن جعلوا عليه بناء ثم صاروا يطوفون به، ويعكفون عنده من أجل التبرك به، ولطلب شفاعته؛ لأنهم زعموا أنه صالح، فيكون هذا مثل القبور التي تعبد الآن تمامًا، التي يقول أصحابها: إن ساكنها ولي، وإنه ترجى شفاعته أو تطلب منه الشفاعة، وقد يطلبون منه أشياء في الدنيا كما هو معلوم مشتهر في كثير من بلاد المسلمين، وللأسف فإنهم يعبدون الرفاة، يعبدون ساكني القبور الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن غيرهم، يعبدونهم عبادة كعبادة رب العالمين؛ وذلك لأنهم ضلوا السبيل، ولأنهم ما عرفوا دعوة رسولهم الذي جاء بها إليهم، أو أنهم أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها، وصاروا يتبعون ما وجدوا عليه أهل بلدهم، وما تواضعوه بينهم من هذه الطقوس وهذه الخرافات، التي أصبح الكفار وللأسف يقدحون في الإسلام، فيقولون: إن دين المسلمين هو طلب الحاجات من الأموات، ونقول: إن هذا ليس دينًا للمسلمين، وإنما هذا دين المشركين، أما المسلمون فهم برآء من ذلك، فلا يجوز أن يكون مثل هذا منسوبًا للإسلام، وإن فعله من يتسمى بالإسلام فهو في الواقع مجرد اسم انتسب إليه.

والمقصود أن اللات على هذه القراءة وعلى هذا القول: رجل، وسواء كان صالحًا أو طالحًا، إنما كان هذا صنيعه، يصنع للناس هذا الفعل، ثم لما مات دفنوه وبنوا على قبره، ونقشوا على الصخرة التي فوق قبره نقشًا يدل على تعظيمه، وأنه يفعل وأنه يفعل كما يصنع بالقبور التي يوضع فوقها النقش، يوضع فيها الرخامة التي يكتب عليها، ويكون هذا داعيًا إلى التبرك بها والتوسل بها.

وبعد ذلك اشتهر، وصاروا يفتخرون بعبادة هذا الرميم الميت على غيرهم من العرب، كما أن قريشًا كانت تفتخر بأنها تعبد شجرة، هذا شيء عجيب! يفتخرون بأنهم يعبدون شجرة، الشجرة كيف تنفع أو تضر؟! ولكن الواقع أن الشيطان يدخل في الشجرة؛ ولهذا يسمعون الكلام من وسط الشجرة؛ لأن الشيطان يأتي ويكون في الشجرة، هم لا يرونه، لا يدخل في جوفها، فالشيطان لا يستطيع أن يدخل في جوف الشجرة، ولكنه يدخل في غصونها ويقف عليها ويخاطبهم ويكلمهم وهذا ما أخبر الله جل وعلا به: {يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف:27] .

ثم كثرت هذه الأوضاع وتوارثوها، فصار دينًا يورث عن الأكابر والآباء، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي من عند الله، يأمرهم بإخلاص العبادة له، صاروا يحتجون عليه بما كان يصنعه آباؤهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:22] أي: وجدناهم على دين وعلى ملة، ونحن متمسكون بذلك، فهم قدوتنا وأسوتنا، ولا نترك دينهم وطريقتهم لقولك، هذا معناه: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف:22] فكانت هذه الخرافات أمرًا أشربت قلوبهم بحبه ولا يتركونه.

ومن السخافة أنهم كانوا يعبدون حجرًا، وقد يعجب المسلم الذي عافاه الله جل وعلا من ذلك فيقول: أليس عندهم عقول؟! نقول: بلى عندهم عقول، ولكن إذا لم يجعل الله لعبده عونًا منه، فإن أول ما يجني عليه عقله واجتهاده، فلابد أن يكون للإنسان مساعد من الله وعون منه يرشده ويمده إلى الطريق السوي وإلا هلك.

يقول أحد الذين هداهم الله جل وعلا بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت: (أرسلني أهلي بلبن وزبد إلى الآلهة، وكنت محتاجًا إلى ذلك، وأود أني أشربه وآكل الزبد، ولكن خفت من الآلهة، فذهبت به ووضعته تحت الآلهة لتأكل، ماذا صار؟ يقول: فجاء الثعلب فشرب اللبن، وأكل الزبد، وبال على الآلهة، فقلت: أهذه آلهة؟ يتعجب!! أرب يبول الثعلبان برأسه قد ذل من بالت عليه الثعالب يقضى على المرء أيام محنته حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة:41] .

لما صار ما صار على سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه يوم أحد تمحيصًا وابتلاء، وعلى من معه من المؤمنين، وانتصر عليهم المشركون، وقتل منهم من قتل، وصار رئيس الكفار في أعلى جبل أحد ينادي ويهتف بصوته لما كان مشركًا يعبد الأصنام، ويقول: (اعل هبل، اعل هبل، اعل هبل) هبل هو؟ صنم في مكة قد خلفه، أصم أبكم لا يسمع ولا ينطق ولا يملك شيئًا، ويقول له وهو في المدينة هنا: اعل، يعني: تصير أنت العالي؛ ولهذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يردوا عليه وأن يقولوا: (الله أعلى وأجل) .

فهذا في الواقع هو دين الشرك، هكذا العقل الذي شرف الله جل وعلا به عباده وميزهم به عن البهائم وعن الكلاب والحمير وغيرها، ميزهم بهذا العقل.

فما بال الإنسان ينتكس ويرمي عقله تحت قدميه، ثم يصبح قلبه متعلقًا بمن هو أقل منه قيمة بكثير؟! الحي يستطيع أن ينفع، يستطيع أن يمشي، يستطيع أن يذهب، يستطيع أن يأتي، يستطيع أن يملك شيئًا، وأن يتصرف التصرف المحدود، أما الميت فماذا يصنع؟! لا شيء.

الميت عظام رميم أو حبات تراب قد ذهبت أجزاؤه وصارت ترابًا، أما روحه فهي معذبة أو منعمة، وغافلة عما يفعل هذا الذي يدعوه ويطلب منه، فإذا صار يوم القيامة قال له: كذبت ولعنه، وأنا بريء منك ومن دعوتك، سواء كان صالحًا أو غير صالح فإنه يتبرأ منه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف:5 - 6] ، وقال: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [العنكبوت:25] .

هكذا المعبود يلعن العابد، والعابد يلعن المعبود، وكل واحد يتبرأ من الآخر.

{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} [البقرة:167] ولكن هيهات انتهت القضية، وحقت الحاقة، ووجب العذاب، فما يفيد الندم، ولا تفيد المعاداة، ولكن العذاب كله يجمع عليه، والحسرات تجتمع عليه، في وقت لا يملكون شيئًا، وإنما يتمنون أن يردوا لعلهم يخلصون الدعوة، فهذه حقيقة شرك المشركين، وهي حقيقة شرك المشركين في وقتنا تمامًا، إن لم يكن شرك هؤلاء الذين يعبدون القبور أعظم من شرك أولئك بدرجات فهو ليس بدونه، ولكنه في الواقع أعظم منه من وجوه: الوجه الأول: أن الكفار في القديم أكثر عقلًا من هؤلاء؛ لأنهم إذا قيل لهم: أهذه التي تدعونها تنفع أو تضر؟ قالوا: لا، ما تنفع ولا تضر، ولكن نريد الشفاعة، هي ليست لها ذنوب فنحن نطلب منها الشفاعة، أما هؤلاء إذا قيل لهم مثل ذلك قالوا: هؤلاء أعطاهم الله التصرف، فهم يتصرفون في الكون، ويملكون الرزق، ويملكون العافية والصحة، ويملك الواحد منهم أن يعطيك ولدًا، ويملك أن يمنعك من المال، أو أن يعطيك المال أو غير ذلك من الغلو الزائف، فأي عقل هذا؟! أين تذهب العقول؟! الوجه الثاني: أن المشركين الأوائل إذا وقعوا في كرب وشدة أخلصوا العبادة لله وحده قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65] ، إذا جاءت السلامة والعافية أشركوا، أما في وقت الكرب والشدة فهم يخلصون، أما هؤلاء إذا وقعوا في الشدائد زاد شركهم، وصار أحدهم يبكي ويتضرع أمام القبر، ويدعوه بتلهف وبدموع تسيل، وبكاء لا يحصل منه في المسجد إذا قام يصلي بين يدي الله، فأي نسبة بين هؤلاء وهؤلاء؟ ثم إذا قلنا: إن القراءة الأخرى أيضًا اللات مخففة فهل معناها أخذت من اللت؟ يجوز أن تكون أخذت من اللت، وأنها خففت لكثرة الاستعمال، فجاءت القراءة بالتخفيف على لغة العرب؛ لأن الله خاطبهم بلغتهم وعادتهم، والكلمة إذا استعملت وكثر استعمالها وكان فيها ثقل على اللسان فإنهم يخففونها، وهذا أمر معروف في اللغة.

أما القول الثاني: أن الاشتقاق من غير اللت، وأنه من الإلحاد في أسماء الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف:180] الإلحاد: هو الميل عن القصد المراد إلى غير ما أراده الشارع، فهم يقولون: إنهم اشتقوا لهذا الصنم اسمًا من أسماء الله، فهم قالوا: اللات من الإله، يعني: أنهم أخذوا اسمه من الل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت