فهرس الكتاب

الصفحة 1249 من 2090

جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده التائب من أحدكم يفقد راحلته عليها طعامه وشرابه في أرض مهلكة، فيطلبها فييأس من وجودها، ثم يضع رأسه تحت شجرة ينتظر الموت قد أيس من الحياة، فبينما هو كذلك في انتظار الموت إذا راحلته قائمة على رأسه، فيأخذ بخطامها فيقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) , ففرح الله وجوده وكرمه عظيم، وهذا غاية ما يتصور من الفرح، فهذا إنسان فقد الحياة وأيس منها، ثم تعود إليه في لحظة ينتظر فيها الموت! فإنه يفرح فرحًا عظيمًا وهو غاية ما يصل إليه الفرح: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده) ، هل لأن الله جل وعلا يحتاج إلى عبده؟ كلا! ولكن لكرمه وجوده وفضله وحبه للخير تعالى وتقدس، فيحب أن يكون عبده ممن يفعل الخير ويريده ويتعرض له، ويكره أن يكون عبده معذبًا، ولكن يأبى العبد إلا أن يقع في الأذى كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) ، فالأمر يتعلق بالإنسان نفسه وبطاعته ومعصيته.

وفي الصحيح أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا مسرفًا على نفسه، قتالًا سفاكًا للدماء، قد قتل تسعًا وتسعين نفسًا بغير حق، ثم بعد ذلك ألقى الله جل وعلا في قلبه الندم وطلب التوبة، وصار يبحث ويسأل ويقول: دلوني على عالم أسأله، فدل على رجل عابد فسأله فقال: إنه لا توبة لك؛ لأن الذي يقتل النفس الواحدة كأنما قتل الناس جميعًا، فكيف وقد قتلت تسعًا وتسعين نفسًا؟ فعند ذلك قتله وكمل به المائة! ومع ذلك عاد على نفسه باللوم وقال: كيف هذا التمادي؟! فأصبح يسأل، فدل على رجل عالم فسأله هل لي من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكن أنت في أهل بلد فساد وإسراف، وتوجد هناك بلد خير وأهله أهل خير وطاعة فهاجر إليها وتب صادقًا، فامتثل ذلك وهاجر صادقًا تائبًا مقبلًا على ربه جل وعلا، وفي أثناء الطريق أدركه الموت، فجاءته ملائكة العذاب تريد أن تقبض روحه إلى جهنم، وجاءت ملائكة الرحمة تريد أن تقبض روحه إلى رحمة الله؛ لأنه جاء تائبًا، فأصبحوا يتخاصمون عنده كل فريق يقول: نحن أولى به، فهؤلاء يقولون: هذا مسرف قتال ما عمل خيرًا قط، وهؤلاء يقولون: جاء تائبًا منيبًا صادقًا، والتوبة هي نهايته وآخر عمله فنحن أولى به، فاختصموا، وعند ذلك أرسل الله جل وعلا إليهم ملكًا ليكون حكمًا بينهم، فقال: قيسوا ما بينه وبين البلدين، فأيهما كان إليها أقرب فهو من أهلها، فوجدوه إلى بلد الخير أقرب بشبر أو ذراع فقبضته ملائكة الرحمة.

وفي رواية -وهي تدل على صدقه- (أنه كان ينوء بصدره -وهو يكابد الموت- يعجز أن يسير فينوء بصدره ليقرب من البلد الصالح) .

وفي رواية: (أن الله أوحى إلى البلد الخير أن تقاربي، وإلى البلد الشر أن تباعدي) .

والمقصود: أن هذا يدل على عظم رحمة الله جل وعلا، وأنه لا يهلك إلا الهالكون، غير أنه يجب أن يعلم أن هناك أمورًا تقتضي رحمة الله: أولًا: أن يكون الإنسان على الإيمان.

الثاني: أن يكون على السنة، فلا يكون على بدعة وضلال، فيعمل أعمالًا على خلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كانت كثيرة، فإنه إن كان بهذه المثابة فهو ممن قال الله جل وعلا فيهم: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:104] , وقال جل وعلا: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية:2 - 5] ، فذكر أنهم يخشعون ويعملون وينصبون، والنتيجة: أنهم يصلون النار الحامية؛ لأنهم على ضلال وبدع، فإذا كان الإنسان على السنة، وإن كان عمله قليلًا وإن كان عنده إسراف، فيجب أن لا يقنط من رحمة الله ولا ييأس من روح الله، مع أنه يجب أن يخاف حتى يكون الخوف حاملًا له على العمل وداعيًا له إلى اجتناب المعاصي، ويكون الرجاء مرغبًا له في فعل الطاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت