قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عمر: (والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه مسلم.
المصنف رحمه الله اختصر الحديث اختصارًا كثيرًا، والحديث كما في صحيح مسلم أن رجلين من التابعين أتيا من البصرة وإنكار القدر أول ما حدث حدث في العراق، ويقال: إن أول من تكلم به وأنكره معبد الجهني وقد قتله عبد الملك بن مروان على إنكار القدر، ويقال: إن أول من تكلم به أيضًا رجل من المجوس يقال له سوسن وبعض المؤرخين يقول: إن أول من تكلم به بعض النصارى، فيكون معبد الجهني أخذه عن هؤلاء.
ويقول بعض العلماء: إن هذا ليس رجلًا واحدًا، وإنما هي مؤسسات أُسست لمحاربة الإسلام، فقد يكون من يعتنق أفكار هذه المؤسسة عنده جرأة، فيكون واجهة فيتكلم بالشيء الذي يعرف، وهؤلاء الذين أسسوا ذلك يعلمون أنه لو تكلم به أحد سيقتله المسلمون، فجعلوا لهم واجهات تقوم بهذا الشيء.
فكان هذا الحدث مبدؤه في العراق في البصرة والكوفة، وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا قال: (اللهم بارك لنا في يمننا، فقال الصحابة: وفي نجدنا! فقال: اللهم بارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في شامنا، وهم يقولون: وفي نجدنا، فقال: ذاك يطلع منه قرن الشيطان) أي: يطلع منه الفتن.
قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا وهو في المدينة، فيكون المقصود بذلك العراق، هكذا قال بعض الشراح، والواقع يشهد بهذا، ولهذا أول الفتن جاءت من هناك، وهذا الحدث من أولها.
يقول يحيى بن يعمر: خرج عندنا في البصرة من ينكر القدر، فقدمت أنا وصاحب لي حاجين أو معتمرين، فلما أقبلنا على المدينة قلنا: لو لقينا أحدًا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله، فوجدنا عبد الله بن عمر داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي وظننت أن صاحبي يكل الكلام إلي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إن عندنا أقوامًا يتقفرون العلم -وذكر من عبادتهم- إلا أنهم يقولون: الأمر أنف -أي: أنه ليس معلومًا لله سابقًا ولا مكتوبًا وإنما يعلمه إذا وجد- فقال عبد الله بن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ثم قال: حدثني عمر أنه كان جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال:(فطلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه -يعني: على فخذي نفسه- فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، فقال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، ثم قال: أخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره -هذا محل الشاهد-، ثم قال: أخبرني عن الإحسان، قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقال: أخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: أخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد المرأة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعاءَ الشاة يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبثت مليًا، ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم)، ورواه البخاري من حديث أبي هريرة، وفي آخره: أن الرجل قام وذهب موليًا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (ردوا علي الرجل) ، فقاموا ليردوه فلم يروا أحدًا، فأخبرهم أنه جبريل جاءهم يعلمهم أمر دينهم.
فالمقصود أن عبد الله بن عمر حلف بالله أنه لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا -ومثل هذا لا يكون ولكن تقديرًا- ثم أنفقه في سبيل الله فأنه لا يقبل منه شيء حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ومعنى ذلك أن الذي يرد القدر يكون كافرًا غير مؤمن؛ لأن الذي لا يقبل منه العمل وإن كان كثيرًا هو الكافر، وقد اتفق العلماء على أن الذي ينفي علم الله في الأزل أنه كافر بالله جل وعلا.
ولهذا كان الشافعي يقول: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا، أي: كفر إنكار، ولكن هذه الطائفة انقرضت وأصبحت لا وجود لها، وذهبت إلى غير رجعة إن شاء الله، فهذا كفر ظاهر مخالف للنصوص الواضحة الجلية، ولكونه واضحًا جليًا، فقد أصبح منبوذًا من قبل المسلمين فلا يلتفت إليه، فانقرض القائلون به واندثروا، ولكن فكرتهم ومحنتهم لا تزال موجودة؛ لأنها أقل من هذا القدر، فأصبح إنكار القدر يدور على شيئين: الأول: إنكار عموم مشيئة الله، أي: أنه ليس كل شيء يقع قد شاءه الله.
الثاني: عموم خلق الله، أي: أنه يوجد مع الله خالق يخلق الشيء، وهل هذا دون الأول؟ إذا اعتقد الإنسان أن هناك مخلوقًا يخلق مع الله، هل هذا دون إنكار العلم؟ في الواقع هم لا يقولون ذلك صراحة لا يقولون: إنهم مشاركون لله جل وعلا في الخلق والإيجاد، ولكن هذا هو لازم قولهم، فهم أقل من أولئك، ووجه ذلك أنهم قالوا: إن الله لم يشأ الكفر ولا المعاصي، وإنما الذي شاء الكفر والمعاصي هم الكفار والعصاة؛ لأن الله لا يأمر بالفساد ولا يحبه، فالذي دعاهم إلى ذلك حسن ظنهم بالله جل وعلا، ولكنهم أخطأوا ووقعوا في الضلال البين الواضح.
أما أصحاب القول الثاني فإنهم يقولون: إن العاصي أو الكافر هو الذي يوجد المعصية أو الكفر بنفسه، وليس الله هو الذي أوجد ذلك، فيكون العبد خالقًا لفعله.
فيقال لهم: يلزم على هذا أن الله أراد من الكافر أن يؤمن ومن العاصي أن يطيع، ولكن العاصي أراد المعصية والكافر أراد الكفر فأيهما غلب؟ فعلى هذا يكون الكافر قد غلبت إرادته، وكذلك العاصي غلبت إرادته إرادة الله جل وعلا، تعالى الله وتقدس.
وهذا ضلال بين ظاهر واضح، وهو لا يزال موجودًا حتى الآن عند من يزعمون أنهم علماء، وهذا إنكار لعموم مشيئة الله وخلقه جل وعلا.