قال الشارح: [روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد؟ فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج؛ ومحمد صنبور قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلًا فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء:51] ].
الصنبور هي النخلة الضعيفة التي ليس فيها فراخ، فإنها إذا سقطت وليس لها عقد انتهت ونسيت، فهم أخذوا كلمة الصنبور من هذا المعنى، وذلك أنهم قالوا: إنه ليس له أولاد صلوات الله وسلامه عليه، والواقع أن هذا من أعظم الكذب، وأعظم الزور، فالرسول صلى الله عليه وسلم بارك الله جل وعلا فيه، وفي دعوته، وجعله منقذًا للبشرية، فكل عبد آمن في وقته ويؤمن متبعًا له إلى قيام الساعة يعتبر ولدًا له، له أجره في عمله، وكل عمل يعمله في عبادة الله والتقرب إليه له صلوات الله وسلامه عليه مثل أجر هذا العامل، من أول مؤمن إلى آخر مؤمن قبل قيام الساعة، فهل يصل إلى هذا الشيء أحد من الخلق مهما كثر ماله وكثر ولده؟ لا، أبدًا.
ولهذا يقول العلماء: الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى أن يهدى إليه عمل، أو يتصدق عنه، أو يضحى عنه؛ لأن كل عمل يعمله الإنسان فله مثله صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه هو السبب في هداية الناس، فليس هناك مخلوق أبرك منه صلوات الله وسلامه عليه، وأعظم منة على الخلق منه صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا شرفه الله جل وعلا على جميع الخلق، فهو أشرف المخلوقات، وهو أقربهم إلى ربه، فهل يجوز لمن كان عنده عقل -فضلًا عن إيمان- أن يوجه إليه شيئًا من اللوم أو من المسبة؟ لا، إلا إذا كان شيطانًا رجيمًا يبغض الحق، فالشيطان الرجيم الملعون هو الذي يغيضه مثل هذا الشيء، ومن اتبعه فهو مثله، وهذا هو معنى قولهم: الأبتر، يعني أنه إذا مات فليس له عقب، وهذا من أكذب القول، فهو مثل قولهم: صنبور.