فهرس الكتاب

الصفحة 1155 من 2090

قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: باب قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة:165] ، لما كانت محبته سبحانه هي أصل دين الإسلام الذي يدور عليه قطب رحاه، فبكمالها يكمل، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان -نبه المصنف على ذلك بهذه الترجمة.

قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا} [البقرة:165] الآية]، قال في شرح المنازل: أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم، ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165] ، وفي تقدير الآية قولان: أحدهما: والذين آمنوا أشد حبًا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله.

وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة:165] مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165] من الكفار لأوثانهم].

هذا قول مرجوح، الراجح القول الثاني، وهو أن الذين آمنوا أشد حبًا لله من المشركين لله، هذا هو القول الصحيح وهذا مبني على قولين في أول الآية، لأن قوله جل وعلا: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة:165] ، (يحبونهم كحب الله) يعني: أن المشركين يحبون الأنداد كمحبتهم لله، فصارت المحبة مقسمة قسمين: قسم منها لله، وقسم منها للأنداد، وهذا هو الشرك الأكبر، فهم يحبون أندادهم مثل محبتهم لله جل وعلا، وهذه المحبة محبة عبادة، وهذا الذي جعلهم خالدين في النار، وهذه المحبة هي التي يلوم المشركون عليها أنفسهم، ويلوم بعضهم بعضًا إذا كانوا في النار، ويقولون كما أخبر الله عنهم: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:97 - 98] ، يخاطبون أندادهم وآلهتهم بهذا الخطاب يقولون: (تالله إن كنا في ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين) يعني: سووهم في المحبة، (برب العالمين) يعني: نحبكم كما نحب رب العالمين، فالآية تدل على أنهم يحبون الله، ولكنهم شركوا في محبة الله الأنداد؛ فصاروا بذلك مشركين، وليس معنى ذلك أن المشركين يحبون الأنداد كمحبة المؤمنين لله، هذا قول باطل، وقد قيل هذا في الآية، ولكنه في الواقع قول ضعيف.

ثم ركب على هذا ما في آخر الآية: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165] ، يعني: الذين أمنوا حبهم أشد من حب أصحاب الأنداد لله، وليس من حب أصحاب الأنداد لأندادهم، وهذا قول ذكر في تفسير الآية، ولكنه قول ضعيف.

والقول بأن محبة المؤمنين لله أشد من محبة الكافرين لله يدل على أن المشركين يحبون الله حبًا كثيرًا، ولكنه حب صار فيه شركة، وهو الشرك الذي جعلهم كفارًا، وجعلهم في النار.

فدلت الآية على وجوب إخلاص المحبة لله، وأنه يجب أن تكون المحبة لله وحده، ولا يكون معه مشارك فيها مهما كان، وسيأتي أنه فرض على المسلم أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من محبته لولده ووالده وماله، ومن نفسه أيضًا، ومن الناس أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت