حب الذل والتعظيم والخضوع لا يجوز أن يكون إلا لله وحده، حب العبادة يكون خالصًا لله، لا يحب معه أحد، وهذا يكون عند الحاجة ظاهرًا جليًا، عندما يحتاج الإنسان ويقع في شدة أو حاجة ملحة، فإنه يدعو بذل وخضوع وتعظيم وحب، والعبادة لابد أن تكون مشتملة على الحب والتعظيم والخوف، فالمؤمنون يدعون ربهم خوفًا وطمعًا، والخوف والذل والتعظيم من أركان العبادة، ولا يجوز أن يكون هذا في محبة المخلوق، أما إذا أحب مخلوقًا فذل له وخضع له فإنه يكون عابدًا له، مثلما يحصل لكثير من الناس يحب امرأة أو معشوقًا فيترك في سبيل حبه طاعة الله، ويقول: إن وصلك أشهى إلي من عبادة ربي، كما يقوله بعض الفجرة الذين خرجوا من طاعة الله إلى عبادة شهواتهم وفروجهم، فيكون بذلك خارجًا من الدين الإسلامي نهائيًا، ومبعدًا عن الله جل وعلا، مثلما ذكر عبد الحق الإشبيلي عن رجل كان واقفًا في بلد ما عند باب داره، قد فتح الباب ووقف أمامه، وكان بابه قريبًا من حمام ترتاده النساء، فجاءت امرأة جميلة تسأل وتقول: أين باب حمام منجاب؟ فأشار إلى باب داره وقال: هذا، فدخلت المرأة، فلما دخلت دخل خلفها، فلما رأت أنها وقعت في فخه وكيده ومكره أظهرت الموافقة والسرور، وقالت له: ينبغي أن يكون معنا في هذه اللحظات شيء نأكله ونتلهى به ما هو هكذا فقط، فقال: الآن آتيك بما تريدين، فخرج مسرعًا إلى السوق ولم يغلق الباب، فخرجت ولم تخونه في شيء، وتخلصت بهذه الحيلة من هذا الماكر، فلما رجع لم يجدها، فهام على وجهه وهو يقول: ورب قائلة يومًا وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب فمرض من أجل ذلك، فلما حضره الموت صاروا يقولون له: قل: لا إله إلا الله، فأخذ يردد هذا البيت، فمات وهو يردده نسأل الله العافية! صار عابدًا لهذه المرأة، وهذا يقع كثيرًا في الناس، فهذه عبادة حب، ومثل هذا ما يقع إلا في القلب الفارغ من حب الله جل وعلا، إذا كان يحب الشهوات والدنيا فإنه يكون عرضة لعبادة غير الله، ولعبادة الشهوات ومنها صور النساء والمردان وغير ذلك، فتكون بذلك خاتمته أسوأ الخواتم، نسأل الله العافية.
والمقصود: أن العبد يجب أن يكون عبدًا لله، ولا يكون عبدًا للمظاهر، وقد أجرى الله جل وعلا سنته في أن من لم يعبده لابد أن يعبد غيره شاء أم أبى، من أعرض عن عبادة الله لابد أن يعبد الشيطان على حسب مظاهره، قد يكون الشيطان في مظهر امرأة، وقد يكون في مظهر مال، وقد يكون في مظهر شهوات، وقد يكون في مظهر مبدأ ونحلة يدعو إليها، وهكذا سنة الله جل وعلا، فإن من لم يعبد الله عبد غيره؛ لأن الإنسان عبد، وهذه صفة ملازمة له لا ينفك عنها، ولهذا تجد الذي لا يتعلق بالله جل وعلا ويحب عبادته من الصلاة والزكاة وذكر الله تجد قلبه معلقًا بالملاهي والأغاني ومشاهدة الصور، لا يصبر عن ذلك، يكون عابدًا لها، فمقل ومستكثر من الناس، كل بحسبه.
فالذي يجب على العبد أن يكون عبدًا لله مخلصًا عبادته لله، وأن يحمي قلبه من أن يكون محلًا لغير الله جل وعلا في الحب والإرادة، يجب أن تكون محبته لله وحده، محبة الذل والخضوع: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا} [البقرة:165] يعني: نظراء يكونون محبوبين مع الله من أي جهة كانت، سواء كانت من الناس أو كانت من الأصنام أو كانت من المال حتى الزوجة، زوجته قد تكون معبودًا له، إذا صارت تأمره بالمعصية فيتبعها، وتنهاه عن الطاعة فيطيعها، صارت هي أشد حبًا له من الله، وصار أكثر متابعة لها من أوامر الله.
وبالعكس فالمخلوق لا يجوز أن يطاع في معصية الخالق: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وإلا صار معبودًا لذلك المطيع، والناس يتفاوتون في هذا، وهذا قد يرتقي إلى الشرك الأكبر الذي يكون مخرجًا من الدين، وقد يكون شركًا أصغر، وقد يكون مجرد معصية يستحق عليها الإنسان العقاب، مثل: بخل الإنسان عن شيء من الواجب حبًا للمال، إما زكاة وإما حقًا للغير يتعلق بماله، فيمنعه حب المال من إخراج ذلك، فهذه كبيرة من كبائر الذنوب، وهي نوع من العبادة؛ لأنه هو الذي منع من إخراج هذا الحق، أما لو كان مثلًا عبدًا لله يعبده حق العبادة، فإنه لن يقدم على مرضاة الله وعلى محاب الله وطاعته شيئًا لا مالًا ولا ولدًا ولا أهلًا، ولا أصدقاء ولا غيرهم، والإنسان أعلم بنفسه من غيره، فيجب أن يعرض أعماله على أوامر الله ونواهيه، فيعرف مقامه عند الله جل وعلا في هذا.
ولا يجوز للإنسان أن تكون عبادته موزعة، فيكون له أرباب كثيرون، يجب أن تكون عبادته لله جل وعلا وإلا فسيكون على خطر شديد، ومن المعلوم كما جرت سنة الله أن من جزاء السيئة السيئة بعدها، كما أن من جزاء الحسنة الحسنة بعدها، يعني: أن الإنسان قد يتهاون بهذه المعصية، فتجر هذه المعصية إلى معصية أخرى، ثم تجر إلى أخرى، ثم يألف المعاصي وتصبح عنده محبوبة، فإذا صار بهذه المنزلة كره الطاعات وأبغضها وابتعد عنها، وهنا يستحكم الشقاء نسأل الله العافية.
والعبد أمام أوامر الله له مقامان: إما أن يحصل له ما يحبه، فإن كان هذا حصل له من طريق شرعي فعليه أن يشكر الله ويزداد له بذلك عبادة.
وإما ألا يحصل له، فعليه أن يصبر ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمور كلها بمشيئة الله وإرادته، هو الذي يتصرف في خلقه وملكه.
المقام الثاني: عند إصابة الذنوب، فإذا أصاب ذنبًا فعليه أن يعترف ويقر ويستغفر، فهذه أمور ثلاثة إذا حصلت للعبد فهي عنوان السعادة.
إذا حصلت له نعمة شكر الله عليها، وازداد بذلك عبادة، وإذا حصلت له مصيبة صبر واحتسب، وإذا حصل له ذنب تاب واستغفر، هذا هو شأن المؤمن، وهو الذي ينبغي أن يكون عليه العبد، أما إذا خرج عن ذلك فقد خرج عن عبودية الله جل وعلا، وإن تمادى زاد خروجًا حتى يستحكم البعد فيصبح مطرودًا عن الله جل وعلا، نسأل الله العافية.