جاء في مستدرك الحاكم وصححه هو وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم،(أنه ذكر له جبريل عليه السلام: رجلًا ممن كان في الأمم قبلنا كان في جزيرة عمرها خمسمائة سنة وهو يعبد الله منعزلًا لا يشتغل بالناس ولا يشتغل بالدنيا ولا بغيرها، فأخرج الله جل وعلا له من البحر عينًا عذبة، وشجرةً تخرج له كل يوم عذقًا يأكله ويشرب من الماء ويعبد ربه، فسأل ربه أن يقبضه ساجدًا فقبضه الله جل وعلا وهو ساجد، وإذا كان يوم القيامة، يؤتى به بين يدي الله فيقول الله جل وعلا لملائكته: اذهبوا بعبدي وأدخلوه الجنة برحمتي، فيقول: لا يا رب! بل أدخل الجنة بعملي! فيقول الله جل وعلا: ردوه، فيحاسبه الله جل وعلا؛ يقول له: من الذي أوجدك ولم تكن شيئًا؟ من الذي أعطاك السمع؟ ومن الذي أعطاك البصر؟ ومن الذي أعطاك الأيدي والأرجل؟ ومن الذي أخرج لك عينًا عذبة من الماء المالح؟ ومن الذي أخرج لك من الشجرة كل يوم عذقًا وهي لا تثمر في السنة إلا مرة؟ ومن الذي قواك على عبادة خمسمائة سنه؟ وهو يقول: أنت يا رب.
عند ذلك يقول جل وعلا: حاسبوه على النعم مقابل عبادتي، فتوزن نعمة البصر أو قال نعمة السمع خمسمائة سنه، ثم يقول الله جل وعلا: اذهبوا به إلى جهنم، فيصيح: يا رب أدخلني الجنة برحمتك يا رب أدخلني الجنة برحمتك، فيقول الله جل وعلا: ردوه وأدخلوه الجنة برحمتي).
ولا أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله جل وعلا، فيجب على الإنسان أن يعرف نعم الله عليه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [إبراهيم:34] ، فكل ما يعمله الإنسان في هذه الدنيا فإنه لا يقابل شيئًا من نعم الله! ثم إنه يجزى بذلك، ولو لم يكن الأمر ظاهرًا للناس جليًا، فهو في الواقع مجزي به، وهكذا كل عامل لا يريد بعمله الآخرة، يعجل له جزاء عمله في الدنيا، ثم يوافي يوم القيامة ربه مفلسًا، ليس له حسنة يقابل بها ربه فيجزيه عليها، فلهذا يقول جل وعلا: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود:16] .
ثم قد سبق أن الفرق بين هذا الباب وباب الرياء الذي قبله أن هذا أعم، فذاك خاص بالرياء والسمعة فقط، أما هذا فهو عام يدخل فيه الرياء ويدخل فيه الأعمال التي يراد بها جزاء عاجل وهي من القربات التي لا يجوز أن يطلب بها شيء من أمور الدنيا، وإنما يطلب بها الثواب من الله جل وعلا والنجاة من عذابه يوم القيامة والفوز بثوابه.
قال الشارح رحمه الله تعالى:[قوله: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟ قلت: بينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة، وهو ما إذا أراد الإنسان بعمله التزين عند الناس، والتصنع لهم والثناء، فهذا رياء كما تقدم بيانه، كحال المنافقين، وهو أيضًا إرادة للدنيا بالتصنع عند الناس وطلب المدحة عندهم والإكرام، ويفارق الرياء بكونه عمل عملًا صالحًاُ أراد به عرضًا من الدنيا كمن يجاهد ليأخذ مالًا، كما في حديث: (تعس عبد الدينار) ]أي: أنه لا يرائي، ولكنه يأخذ شيئًا عاجلًا ولا يريد التظاهر بالعمل، ولكن يريد الدنيا، فبهذا خالط الرياء، فصار هذا أعم من الرياء، كذلك الأمثلة التي ذكرنا تفارق الرياء ولكنها شرك بالله؛ لأنه قصد الدنيا وما قصد وجه الله حتى يثيبه الله جل وعلا، بخلاف المؤمن المخلص فإنه يقصد بالعمل الصالح وجه الله، وإن حصل له شيء من الدنيا فإنما هو تبع لا يريده قصدًا، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا جاهد أو عمل أعمالًا ترتب عليها منافع دنيوية، أن هذا داخل في الرياء أو داخل في قوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [هود:15] ؛ لأن العمل الذي عمله المؤمن عمله لله جل وعلا، وإذا جاءه شيء من الدنيا فهي تبع، وليس مقصود العمل من أجلها وإنما تأتي تبعًا لذلك العمل، وإذا جاءت تبعًا فلا بأس بها، فقد يتفضل الله جل وعلا على عبده المؤمن بنعمة في الدنيا، من مال وصحة وغير ذلك، ولكن أجره محفوظ له في الآخرة.
المقصود هنا من يقطع رجاءه في الآخرة فلا يريد ثواب الآخرة إنما يريد بعمله الدنيا، فهذا يكون مشركًا، ومعلوم أن مثل هذا هو المتوعد بجهنم، وأن عمله يكون حابطًا، ولا يكون هذا شركًا أصغر غير مخرج من الدين الإسلامي.