قال الشارح رحمه الله: [قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سلمان منا أهل البيت، إن الله يحب من أصحابي أربعة: عليًا وأبا ذر وسلمان والمقداد) ] .
الشيخ: هذان حديثان وليس حديثًا واحدًا.
الأول: قوله: (سلمان منا أهل البيت) .
والثاني: قوله: (إن الله يحب من أصحابي أربعة) .
والحديث الأول ضعيف، والحديث الثاني ضعيف جدًا، ولكن في الفضائل يتساهلون أكثر من هذا بخلاف الأمور التي يلزم الإنسان أن يفعلها أو يمتنع منها.
وسلمان رضي الله عنه من أفاضل الصحابة، وأصل سلمان الفارسي من فارس من عبدة النار، بل والده كان هو القيم الذي يقوم على النار ويوقدها، وكان سلمان وحيد والده، ليس له ولد غيره، وكان يحبه حبًا شديدًا، ولا يصبر عنه إذا غاب.
يقول: أرسلني مرة إلى ضيعة له، والضيعة: إما غراس أو شجر أو أغنام أو غيرها، يقول سلمان: فمررت في طريقي على نصارى يتعبدون، فوقفت عندهم ونسيت حاجة أبي، حتى بعث خلفي من يطلبني ويبحث عني، فقلت لهم: دينكم خير من ديننا فأين أصل دينكم هذا؟ فقالوا: في الشام، يقول: فلما رجعت إلى أبي قلت: يا أبت! وجدت دينًا خيرًا من ديننا -وهذه فطرة الله جل وعلا التي خلق الناس عليها، وكون الإنسان يعبد النار، ويتجه إليها، فإنه قد جبل على خلاف ذلك، فإن الله فطر الإنسان على عبادته، والنصارى كانوا يعبدون الله- فلما قال ذلك لوالده، قال له والده: لا بل دينك ودين آبائك خير، فقلت: بل دينهم خير من ديننا، يقول سلمان: فخاف أبي فقيدني بالحديد، فأرسلت إلى أولئك: أن إذا جاء وافدكم من الشام فأخبروني، فلما جاء أخبروه، فاحتال وكسر الحديد الذي عليه وذهب معهم إلى الشام، قال: فقلت لهم: دلوني على خيركم، فدلوني على عالم منهم، وكان من خير الناس وأفضلهم، فأحببته حبًا شديدًا فلما حضرته الوفاة قلت له: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحدًا على ما نحن عليه إلا رجلًا في مكان كذا في بلد كذا، فذهبت إليه فكان على طريقة صاحبه إلا أنه كان رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة ويأخذها لنفسه فجمع أموالًا كثيرة، فلما حضرته الوفاة، قلت: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحدًا على ما نحن عليه إلا رجلًا في بلدة كذا، يقول: فذهبت إليه، فوجدته على طريقة الأول، من خير الناس وأفضلهم، يقول: فبقيت عنده وقتًا، واجتمع عندي شيء من المال من البقر والغنم، ولما حضرته الوفاة، قلت: إلى من توصي بي؟ فقال: ما أعلم على وجه الأرض أحدًا على ما نحن عليه، ولكن قد أظلك زمن نبي يبعث، من صفته أن بين كتفيه خاتم النبوة، وأنه يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وأنه يهاجر إلى بلد ذات نخل بين حرتين، أعطاه هذه الصفات، ومعروف أن النخل لا يكون إلا في المدينة وما حولها أو في نجد، أو في العراق، وليست تلك صفة العراق ولا صفة نجد، يقول: فعلمت أنها في بلاد العرب، فجاء قوم من العرب فقلت: أعطيكم هذا المال من البقر والغنم وتذهبون بي إلى بلادكم؟ قالوا: نعم، فأخذوا ماله، وأخذوه وباعوه على رجل يهودي في وادي القرى، وهذا اليهودي باعه على رجل من يهود المدينة، فبقي رقيقًا مظلومًا، أخذ ماله واسترق، فبقي يعمل في الرق، وكان عند هذا اليهودي نخل، وكان سلمان يؤبر النخل ويشتغل فيه، يقول سلمان: بينما أنا في رأس نخلة إذ جاء أخ لسيدي فقال له: يا فلان! قاتل الله بني قيلة -وبنو قيلة هم الأنصار- يزعمون أنه جاءهم نبي، يقول سلمان: لما سمعت هذه الكلمة كدت أن أسقط من النخلة من شدة الفرح، فنزلت مسرعًا وقلت لسيدي: ماذا يقول؟ فأقبل علي ولطمني وقال: أقبل على شغلك، ما لك ولهذا؟ يقول: فأعرضت عنه، وجعلت أجمع شيئًا من التمر، وعلمت أنه في قباء، أي: الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قدم مهاجرًا هو وأبو بكر، يقول سلمان: فلما أمسى الليل وانتهيت من عملي أخذت شيئًا من التمر وذهبت به إليه، فقلت: هذه صدقة، فدفعه إلى أصحابه وقال: (كلوا) فقلت في نفسي: هذه واحدة، فلما كانت الليلة الثانية، جئت بشيء من التمر وقلت: هذه هدية، فقدم يده وقال: (باسم الله، كلوا) ، فقلت في نفسي: هذه الثانية، ثم قمت أتطلع من خلفه لأنظر إلى خاتم النبوة ففطن لي، فحسر الرداء عن كتفيه، فرأيت خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم، فأكببت عليه أقبله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟ فقصصت عليه قصتي، فكان يحب أن يسمعها أصحابه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن فيها عبرة، فقال لي: (كاتب) يعني: اشتر نفسك من سيدك بالمكاتبة، وأمر المسلمين أن يعينوه، فكاتب على مال باهظ، على ثلاثين أوقية من الذهب، وعلى أن يغرس ثلاثمائة ودية، وأن يسقيها حتى تطلع، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعان وقال: (آذنوني عندما تريدون غرسها) ، فصار يغرسها بيده صلوات الله وسلامه عليه، فخرجت كلها بإذن الله جل وعلا.
فالمقصود أن هذه قصة فيها عبرة؛ ولهذا يقال: سلمان الفارسي ولا يعرف والده.
قال الشارح رحمه الله في الحديث:[أخرجه الترمذي وابن ماجة.
قال الحسن: كان سلمان أميرًا على ثلاثين ألفًا يخطب بهم في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها، توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه].
يعني: كان أميرًا على الصحابة عندما كانوا يقاتلون في فتوح العراق، وكان هو أحد الأمراء، وكانت له عباءة يلبسها، بعضها يفترشه، وبعضها يتغطى به في الليل إذا احتاج إلى ذلك، فكانت فراشه ولحافه وهو أمير على ثلاثين ألفًا من الصحابة؛ لأن رغبتهم كانت في الآخرة لا في الدنيا، فبقوا على ما هم عليه رضوان الله عليهم حتى بعدما فتحوا الفتوحات ووجدوا الأموال والجواهر، فكانوا يأتون بها إلى الأمير؛ ولهذا لما جمعت الأموال إلى عمر رضي الله عنه قال لما رأها: والله إن قومًا أتوا بهذا لأمناء؛ لأنها أشياء يطمع الإنسان فيها، ولكن طمعهم فيما عند الله، ولا يطمعون في شيء من الدنيا.
ولهذا أيديهم الله جل وعلا ونصرهم، وأنزل الرعب في قلوب أعدائهم، فأصبحوا كما يصفهم أعداؤهم: رهبانًا بالليل، فرسانًا بالنهار، إذا ركبوا خيلهم لا أحد يقوم أمامهم، وإذا جنهم الليل تجدهم ركعًا سجدًا، هذه صفتهم.