قال المصنف رحمه الله تعالى: [روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا) ] .
قوله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا) ، العراف يطلق على الكاهن، ويطلق على الساحر، ويطلق على المنجم، ويطلق على الرمال الذي يخط الخطوط بالرمل، وعلى الذي يضرب بالحصى ونحو ذلك.
ومعنى ذلك: أن العراف هو: الذي يتعاطى معرفة الأشياء المستقبلية أو الأمور التي غابت عن الناس من سرقة الشيء أو كون الإنسان الغائب يحصل له كذا وكذا أو ما أشبه ذلك، فكل من كان بهذه الصفة فهو من العرافين.
وهنا يقول: (من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا) هذا الذي يأتي ويسأل لا تقبل صلاته أربعين يومًا، فكيف بالعراف نفسه؟! العراف نفسه أشد من هذا وأعظم؛ لأنه هو الذي يتعاطى هذه الأمور.
ومن المعلوم أن علم الغيب من خصائص الله، كما قال الله جل وعلا: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن:26 - 28] .
فعلم الغيب خاص به جل وعلا، فهو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم كل شيء.
يقول جل وعلا: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام:59] فهذا من خصائص الله، وعلم الغيب يجب ألا يكون لأحد من الناس، وإن اعتقد الإنسان أن أحدًا من الناس يعلم شيئًا من الغيب فقد جعل له شيئًا مما هو من خصائص الله، وهذا من هذا القبيل.
وكون هذا الذي يأتي إلى الكاهن لا تقبل له صلاة أربعين يومًا يقول العلماء: لا يلزم أن يكون مصدقًا له، حتى ولو أتاه مجرد إتيان لينظر ويسمع فإنه يدخل في هذا الوعيد، أما التصديق فإنه يلحقه به؛ لأنه يجعله راضيًا بفعله، وأنه يعتقد أنه صحيح، ومن اعتقد ذلك فهو مثله، فلا يجوز أن يأتي أحد إليه، وهذا لما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: (إن أناسًا يأتون الكهان، فقال: لا تأتوهم) فلا يجوز أن يأتي أحد إليهم.
ومعنى كونها لا تقبل له صلاة أي: أنه لا يثاب عليها ولا يلزم إذا لم تقبل أنه يعيدها، حتى وإن أعادها فظاهر الحديث أنها لا تقبل منه، وهذا وعيد شديد على من يأتي الكهان.
ولا يجوز للمسلم أن يتساهل بأمر دينه وأمر الله جل وعلا وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الأمر ما هو مجرد دنيا تؤخذ منك ثم تعوض أو لا تعوض عنها، والدين ليس شبيهًا بأمر الدنيا، فإن الله جل وعلا إذا توعد الإنسان بمثل هذا الوعيد فهو الذي يفعل ما يشاء تعالى وتقدس، ويجوز أن يكون هذا مقدمة لما هو أعظم منه وأشد؛ لأن الذنوب يجر بعضها بعضًا، وهي كما يقول العلماء: المعاصي بريد الكفر، والله جل وعلا يقول: {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:14] والمعنى أنه إذا اكتسب الإنسان الذنوب وازدادت غطت على قلبه ثم يصبح قلبه ميتًا، لا يعرف المعروف ولا يحبه ولا يريده، بل يكون بعكس ذلك، وهذا يكون سببه أنه كسب الذنوب وأرادها.