وقد يأتي سؤال هنا ويقال: ما دام أن الطلب الذي قاله هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم -وهو طلبهم من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم شجرة يعلقون بها أسلحتهم- كقول بني إسرائيل لموسى: {اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} فلماذا لم يترتب -على ذلك- الحكم عليهم بالشرك؟
الجوابلم يترتب عليهم الحكم بالشرك لسببين: الأول: ما أشار إليه من أنهم يجهلون هذا؛ لأنه قال: (ونحن حدثاء عهد بشرك) وهذا دليل أن غيرهم لا يجهله وأنه واضح، والجاهل إذا جهل الشيء وفعله على سبيل الاجتهاد يعذر بجهله ولو كان من الأمور الكبيرة العظيمة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم نصًا وبيانًا وإيضاحًا، فعبادة الله جل وعلا وكون الدين لا يكون إلا بما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم كان متقررًا عندهم؛ ولهذا قالوا له: (( اجْعَل لَنَا ) )وهذا أمر واضح لا يخفى، فإذا كان خافيًا مثل هذا فإنهم يعذرون بذلك.
الأمر الثاني: أنهم لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوه لكانوا -بلا إشكال- قد وقعوا في الشرك، ولكنهم استأذنوا وطلبوا أن يجعل لهم شيئًا يفعلونه، فبين لهم أن هذا الطلب لا يجوز، فامتنعوا، ولا يمكن أن يقال: إنهم طلبوا شيئًا يريدونه استحسانًا؛ لأنهم أعظم من أن يخالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يخالفوا الله جل وعلا، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمه قال: (قلتم والذي نفسي بيده) ومعنى قوله: (والذي نفسي بيده) قسم بالله؛ لأن النفوس بيد الله جل وعلا، يتصرف فيها كيف يشاء، إن شاء أن يقبضها قبضها وإن شاء أن يرسلها أرسلها، كما قال الله جل وعلا: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر:42] أي: إلى أجل مسمىً فقط، وإلا فسوف يقبضها، فالنفوس بيد الله، ولهذا قد يكون الإنسان صحيحًا معافًا ثم يسقط في لحظة ويموت، فالأمر بيد الله، هذا شيء.
الشيء الثاني: أنه جل وعلا هو الذي يصرف القلوب كيف يشاء، فالأمر إليه جل وعلا من شاء أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله، ولكن الله جل وعلا -وله المنة والفضل- جعل للإنسان عقلًا واختيارًا، وجعل له قدرة، ثم كلفه على حسب مقدرته بالأوامر والنواهي، ووكل الأمر إليه، وقال له: إن فعلت ما أمرت به، جوزيت الجنة والسعادة العاجلة والآجلة، أما إن خالفت ما أمرت به وعاندت، وفعلت خلاف الأمر، فإنك لن تفوت الله، وسوف يجزيك العذاب، والعاقل يعرف الذي ينفعه من الذي يضره.
وهذا هو مقتضى الجزاء، وإلا لو أن الإنسان ليس له اختيار فلا يكون حينئذٍ فائدة للجزاء والعقاب! ومع ذلك الله يعلم قبل وجود الخلق أن هذا المخلوق سوف يوجد ويعمل هذه الأعمال التي يعملها باختياره ومقدرته، وهذا شيء يجده الإنسان من نفسه، وكل واحد يشعر من نفسه أنه يأتي ويذهب إلى أيّ مكان باختياره، وقد كتب هذا وقدر وعلمه الله سابقًا.
كذلك يجد من نفسه أنه يذهب إلى أغراضه التي يطلبها لنفسه مختارًا، مع أنها مكتوبة ومقدرة، ولا يمكن أن يقع حدث إلا وقد كتب وسجل.
فالمقصود إذًا: أن الله يعلم أن هذا المخلوق سيوجد ويفعل كذا وكذا باختياره ومقدرته، والله هو الذي خلق له الاختيار والمقدرة، فيكون فعله مخلوقًا لله جل وعلا كما أنه هو مخلوق، فليس في هذا متعلق لأهل البدع الذين يزعمون أن العباد شركاء مع الله؛ لأنهم يخلقون أفعالهم، كما تقوله القدرية.
وكذلك ليس فيه متعلق للجبرية الذين زعموا أن العبد بمنزلة الآلة التي تدار ليس له أيّ تصرف.