إن اعتماد القلب لا يجوز أن يكون على المخلوق، ويجب أن يكون على الله وحده، سواء كان الذي يرجى حصوله أمرًا عاديًا أو كان أمرًا عظيمًا، فيجب أن يكون اعتماد القلب على الله وحده.
فإذا اعتمد قلب العبد على ربه جل وعلا فقد توكل عليه، وعليه أن يفعل السبب كما في هذه الآية، فإن الله أمرهم بالدخول على الجبابرة، والدخول معناه: الاستعداد بأخذ القوة والعدة والتأهب، وهذا هو فعل السبب، ثم يتوكلون في هزيمتهم وحصول النصر لهم على الله، لا على أسبابهم وقوتهم، وهكذا فجميع ما يفعله العبد يجب أن يكون بهذه الصفة، وإذا كان على هذه الصفة يكون موحدًا لله جل وعلا، ويكون فاعلًا ما أمره الله جل وعلا به، وهذا من واجبات التوحيد وهو تفسير عملي لـ (لا إله إلا الله) .
أما كون الإنسان يعطل السبب فهذا ليس من الدين، بل هذا قدح في عقل الإنسان، وإعراض عن الشرع، فبعض الناس يقول: أجلس في بيتي وأتوكل على الله، وإذا قدر لي شيء فسيأتي! وهذا من العجز، وكذلك الذي يقول: أنا أريد أن أكون عالمًا، وإذا كان ذلك مقدرًا فسيأتي فأتوكل على الله وسيأتي، وهذا يعد غير عاقل؛ لأنه إذا كان يريد أن يكون عالمًا فعليه أن يتعلم ويأخذ بالأسباب، وهذا مثل الذي يقول: أنا لا أتزوج، إن كان الله جل وعلا قد قدر لي ولدًا فسيأتي! لا يأتي شيء إلا بسبب، فالله جل وعلا جعل لكل شيء سببًا، ولكن يجب عليك أن تفعل السبب المشروع وتتقي ربك في ذلك، ثم تعتمد على الله في حصول النتائج لا على السبب، وإن جئت به على أتم وجه؛ لأنه قد يتخلف المسبب ولا يحدث، وذلك إذا أراد الله جل وعلا؛ لأنه لا يقع شيء إلا بإرادة الله وبمشيئته جل وعلا، ولهذا وجب التوكل عليه جل وعلا في حصول النتائج؛ لأنه لو شاء عطل السبب وصار غير مفيد، وغير مجد، ومن توكل على الله فهو كافيه.
قال الشارح رحمه الله تعالى:[قال أبو السعادات يقال: توكل بالأمر: إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: إذا اعتمدت عليه، ووكل فلان فلانًا: إذا استكفاه أمره ثقةً بكفايته أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه.
انتهى].
أبو السعادات هو ابن الأثير صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، وغيرهما من كتبه المعروفة.
والتوكيل الذي ذكره الشارح عن أبي السعادات هو التوكيل من حديث اللغة.
أما تعريف التوكل: فهو اعتماد القلب على الله جل وعلا في حصول المطلوب.