فهرس الكتاب

الصفحة 1281 من 2090

قال الشارح رحمه الله تعالى:[هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم، وحسنه الترمذي، وأخرجه الطبراني، والحاكم عن عبد الله بن مغفل، وأخرجه ابن عدي عن أبي هريرة والطبراني عن عمار بن ياسر.

قوله: (إذا أراد الله بعده الخير عجل له العقوبة في الدنيا) أي: يصب عليه البلاء والمصائب؛ لما فرط من الذنوب منه فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المصائب نعمة؛ لأنها مكفرات للذنوب، وتدعو إلى الصبر، فيثاب عليها، وتقتضي الإنابة إلى الله والذل له والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.

فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، وهذا من أعظم النعم، فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق، إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شرًا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو وجع حصل له من النفاق والجزع ومرض القلب أو الكفر الظاهر، أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له ضررًا في دينه، فهذا كانت العافية خيرًا له من جهة ما أورثته المصيبة لا من جهة نفس المصيبة، كما أن من أوجبت له المصيبة صبرًا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية، فهي بعينها فعل الرب عز وجل ورحمة للخلق، والله تعالى محمود عليها] .

ظاهر قول الشيخ رحمه الله أنه يرى أن المصائب تكفر الذنوب، وهذا هو الظاهر، أما حصول الثواب والأجر فهو بأسباب أخرى، كأن يكون بالصبر عليها، وكونه تحدث للإنسان إنابة إلى الله، وذل وتعلق به، ودعاء إليه، فهذا أمر آخر، أما المصيبة نفسها فهي كفارة فقط، تكفر ما وقع منه، وليس فيها أنه يكتب له فيها الثواب، وإنما يكفر عنه بها ما وقع من المعاصي، وترك الطاعات الواجبة عليه إذا اتصل بها شيء سواء كان مما يدعو إلى الإنابة والتوبة والاستغفار والدعاء فهذا أمر آخر يثاب عليه، أما إذا كانت سببًا للإعراض والتضجر والاعتراض على الله جل وعلا والسخط مما قضاه عليه، فإنها تكون مصيبة أخرى ليس له فيها كفارة، وربما وقعت منه مصيبة أكبر من المصيبة التي أصيب بها، فهذا يقع كثير من الناس.

وبعض الناس يكون المرض الذي يقع فيه غير منبه له، بل يبقى على حالته التي هو عليها حتى تجده يترك الصلاة؛ لأن كونه مريضًا لا يستطيع أن يتوضأ ولا يستطيع أن يصلي، وهذا يوجد في كثير من المرضى، وهذا خطر عظيم ومعصية كبيرة، بل قد تكون كفرًا، نسأل الله العافية.

فالصلاة لا تسقط عن الإنسان بحال من الأحوال، وإذا مرض الإنسان فينبغي له أن يحرص على أداء الصلاة على حسب حاله {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286] ، ولكن لا يترك الصلاة، وإن استطاع أن يتوضأ توضأ، وإن استطاع أن يصلي قائمًا صلى قائمًا، وإن لم يستطيع الوضوء تيمم، فالتيمم ليس صعبًا، فإذا لم يكن عنده من يوضئه ويعينه على وضوئه تيمم، فإن كان عنده من يفعل ذلك فإنه يجب عليه ذلك، أما إذا كان لا يستطيع أن يخرج فيوضع له قليل من التراب في إناء ويتيمم فيمسح وجه ويديه، وإذا لم يستطع هو ذلك فالذي عنده يفعل به ذلك وييممه، فيأخذ بيديه ويضعها على التراب، ثم يسمح بها وجهه وكفيه، ثم يقول له: صل، فيصلي على حسب حاله ولو بالإشارة يشير برأسه، فإذا لم يستطع يومئ بعينيه، فمادام العقل عنده صاحيًا فلا تسقط عنه الصلاة بحال، ولا يجوز أن يترك الصلاة، فقد يموت قبل أن يشفى فيكون موته وهو تارك للصلاة، نسأل الله العافية، فهذا خطر عظيم يجب أن ينبه عليه الناس، فمثل هذا يكون المرض -وهو مصيبة- قد سبب مصيبة أخرى أكبر منها، نسأل الله العافية.

فالمسألة: الناس يختلفون في البلاء الذي يصيبهم، فمنهم من يرجع إلى الله بسببه وينيب، ومنهم من يبتعد عن الله جل وعلا ويكون سببًا في تضجره وتسخطه على الله، ويقول: أنا لا أستحق هذا الشيء -يعني: أن الله ظلمه عياذًا بالله- وأنا ما عملت شيئًا، أنا أصلي وأنا أفعل كذا، وأنا وأنا ولكن ما أدري من أين جاءت هذه المصيبة؟! هكذا نسمع بعضهم يقول! والذي لا يقول هذا بلسانه يمكن أن يقول في قلبه شيئًا من ذلك، وإذا كان في قلب الإنسان شيء من ذلك فإنه يكفي في هلاكه؛ لأن الله جل وعلا يحكم بالعدل، ولا يصاب من مصاب إلا بسبب أمر تركه أو ذنب ارتكبه، كما أخبر الله جل وعلا.

ويجب أن يتعظ الإنسان بالمصائب، فتكون المصيبة موعظة له، فيتعظ ويحاسب نفسه، ويبتعد عن المعائب التي يعاب عليها دينًا، فيبتعد عنها ويستغفر ربه منها، فمثل هذا تكون المصيبة قد طهرته من الذنب، وكفرت عنه ذنبه، ولهذا يوجد من الناس من إذا وقع في مصيبة يخرج منها كأنه ليس عليه شيء، كأن لم يعمل ذنبًا، كيوم ولدته أمه، وهذا من فضل الله ورحمته بالعبد، فلهذا العبد لا يسوؤه أنه يصاب بشيء، لا ينبغي أن تكون هذه السيئة تسوؤه، فليعلم أن هذا فضل من الله وعدل، ثم لينزجر ويتعظ، ويكثر الرجوع إلى الله، وليجعل ذلك سببًا لرجوعه وتعلقه بالله جل وعلا؛ لأن الإنسان ضعيف، فلو جوزي مثلًا بما يعمل أو جمع كل ما يعمله حتى يوافى به يوم القيامة فقد يهلك، يمكن أن ترجح سيئاته على حسناته فيكون من الخاسرين.

فيجب على الإنسان أن يحمد ربه، وهذه صفة المؤمن، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عجبًا للمؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن) ، أما المنافق والكافر فهو مثل البعير الذي يعقل ثم يطلق عقاله ولا يدري لماذا عقل، ولا يدري لماذا أطلق عقاله؟! فالمؤمن ينبغي أن يكون بهذه الصفة: إذا أصيب بشيء يكره صبر واحتسب، وصار هذا سببًا في خضوعه وذله ورجوعه إلى الله واستغفاره، وإن أصيب بنعم حمد الله وشكره وأوجب ذلك له زيادة طاعة لله جل وعلا، حيث أحدث له نعمًا فيحدث لله طاعة.

قال الشارح رحمه الله: [فمن ابتلي فرزق الصبر، كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل له بعدما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه، قال تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة:157] ، وحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات، فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك.

انتهى ملخصًا].

أي: أنه يمتثل الآية، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:156] ، ومعنى: (إنا لله) أي: نحن ملك له وعبيد له يتصرف فينا كيف يشاء، لا نملك لأنفسنا شيئًا، فإذا أصابنا بشيء فهو إليه جل وعلا، ولا يجوز لنا أن نعترض على شيء من ذلك، إنا لله ملكًا وعبيدًا، يفعل بنا ما يشاء، (وإنا إليه راجعون) ، أي: مرجعنا إليه فيجازينا على أعمالنا، فإن كان الإنسان شاكرًا جازاه خيرًا، وإن كان كافرًا لا يلقى إلا جزاء عمله فقط، ولا يظلم شيئًا، والشاكرون هم الذين يقول جل وعلا: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة:157] ، وصلاة الله على عبده أن يثني عليه عند الملائكة، ومن أثنى الله عليه عند ملائكته أحبته الملائكة وصارت تدعو له بسبب بذلك، ملائكة الله جل وعلا الذين في السماء يستغفرون له ويدعون الله له، فيكتسب عملًا ما كان يعمله هو استغفار الملائكة، وهذه الصلوات صلوات الله، وأما الرحمة فأمر آخر: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة:157] ، ثم {وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:157] ، هذا الذي ينبغي أن يكون عليه العبد إذا أصيب بشيء أن يقول هذا، لعله يتحصل على هذا الفضل العظيم، وهو صلاة الله ورحمته جل وعلا، ولو لم يكن في المصيبة إلا هذا لكفى أن يرتبط الإنسان به، وكون الإنسان يكون معافىً دائمًا ينبغي أن لا يفرح، فقد يكون دليلًا على أن الله لا ينظر إليه، وأنه معرض عنه، نسأل الله العافية! قال الشارح رحمه الله:[قوله: (وإذا أراد بعبده شرًا أمسك عنه بذنبه) أي: أخر عنه العقوبة بذنبه.

(حتى يوافي به يوم القيامة) وهو بضم الياء وكسر الفاء منصوبًا بـ (حتى) مبنيًا للفاعل، قال العزيزي: أي: لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في الآخرة مستوفر الذنوب وافيها، فيستوفي ما يستحقه من العقاب، وهذه الجملة هي آخر الحديث.

فأما قوله: (وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إن عظم الجزاء مع عظم البلاء) إلى آخره، فهو أول حديث آخر، لكن لما رواهما الترمذي بإسناد واحد وصحابي واحد جعلهما المصنف كالحديث الواحد.

وفيه التنبيه على حسن الرجاء وحسن الظن بالله فيما يقضيه لك، كما قال تعالى: {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت