لم يذكر الله جل وعلا في الصبر أن الحسنة فيه بعشر أمثالها أو بسبعمائة ضعف، لا، بل أخبر أنه يوفي الصابر أجره بغير حساب، بدون تضعيف في الأجر أو أن أجره ينتهي إلى عدد معين، وذلك لما يواجهه الصابر من البلاء والامتحان والفتن، ولا يطيق ذلك إلا من تمحص إيمانه وأيقن بربه جل وعلا، وأصبحت لا تؤثر عليه المصائب التي دون دينه، فكل مصيبة دون الدين يرى أنها ليست بشيء، وأنها سوف تنتهي وتضمحل.
ولا شك أن الأمر سريع جدًا، فإذا قدر أن إنسانًا اتبع أمر الله واجتنب نهيه على مضض ومرارة وآلام ومقاساة، وإنسان آخر ارتكب مناهي الله ولم يمتثل أمره، وصار يمرح ويفعل ما يريد وما يشاء، فإن أمر هذا وأمر هذا سوف ينتهي سريعًا كأن لم يكن شيء من ذلك، ثم العاقبة بعد ذلك أن هذا يكون في نعيم لا نهاية له، وهذا في عذاب لا انقطاع له، ويصبح الشيء الذي مر نسيًا كأن لم يكن، فيكون هذا الذي ارتكب المناهي هو المغبون الذي باع نفسه، وخسر كل الخسران.
والآخر صبر ساعة وانتهت كأن لم تكن، فحمد عقبى صبره، ولقي رضى ربه، وفاز بثوابه الذي لا انقطاع له، وعن هذا المعنى يعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى يوم القيامة بأشد الناس نعيمًا في الدنيا من أهل الكفر؛ فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل مر بك نعيم قط؟ هل رأيت خيرًا قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي نعيم قط ولا رأيت خيرًا قط، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الإيمان، ويغمس في الجنة غمسة، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل مر بك شدة قط؟ هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت شدة قط، ولا مر بي بؤس قط) .
وهل الحلف هنا من هذين الرجلين على أنه ما مر بهم شيء كذب؟ لا، لأن الأمر بالنسبة لهم نسي نهائيًا، وأصبح في طي النسيان، فهم يحلفون على شيء اعتقدوا أنه صحيح وواقع؛ لأنه كحلم المنام فقط، وقد يمر عليك حلم في منامك فتنساه، فهذا مثله، نسوه نهائيًا، وأصبح وكأنه ليس له وجود.
لهذا المعنى أيضًا يقول صلى الله عليه وسلم: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل أن يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر ماذا يرجع عليه؟) ، إذا أدخلت أصبعك في البحر ثم رفعته، ماذا ينقص من البحر؟ أو بماذا يأتي أصبعك؟ بلا شيء، يأتي ببلل ينتهي سريعًا، والدنيا هكذا بالنسبة للآخرة.