الأمر الثاني الذي يدل عليه حديث ابن مسعود: أن التمائم والرقى التي فيها تعلق بغير الله جل وعلا نوع من الشرك، فتحمل الرقية على الشيء الشركي الذي فيه الاستعانة بغير الله، ويستنتج من ذلك أن الرقية تنقسم إلى أقسامٍ ثلاثة: القسم الأول: رقية جائزة بل مستحبة، وهي الرقية بأسماء الله وصفاته وآياته، فإذا رقى الإنسان بذلك على نفسه أو على غيره فلا بأس، وأما إذا طلب الرقية فإنها تكون جائزة أيضًا، ولكن ذلك يمنع من دخول الجنة بلا حساب.
القسم الثاني: الرقية الشركية، وهي ما كانت بأسماء الشياطين، أو بأسماء الجن، أو ما أشبه ذلك من الاستعانة بغير الله.
القسم الثالث: الرقية التي يتوقف فيها حتى يتبين أمرها، وهي ما كانت مجهولة المعنى، فهذا يكون ممنوعًا في الجملة، ولا تجوز أن تكون الرقية إلا بالشيء المفهوم الذي يعرف ما هو.
وأما التمائم فليس فيها تفصيل على القول الصحيح.
وأما التولة فهي نوع آخر خارج عن ذلك، ولا أحد يجيز شيئًا من السحر إلا ما سيأتي من قول ابن المسيب رحمه الله في النشرة، والنشرة هي: حل السحر عن المسحور، فقد قال: إن ذلك لا بأس به إذا أريد به النفع، يعني: إذا أرادوا به الإصلاح وإزالة الأذى، هذا نقل عن ابن المسيب، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله.
قال الشارح:[قوله: (إن الرقى) قال المصنف: هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة.
يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها شركًا هي التي يستعان فيها بغير الله، وأما إذا لم يذكر فيها إلا أسماء الله وصفاته وآياته والمأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهذا حسن جائز أو مستحب.
قوله: فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة كما تقدم ذلك في باب من حقق التوحيد] .
وجاء الترخيص أيضًا في غير العين والحمة، ولا يفهم من الترخيص أنه مجرد رخصة، بل جاء ما يدل على أنها مستحبة يثاب الإنسان عليها، وجاء الترخيص أيضًا من الدم، والمقصود بالدم الرعاف، وجاء أيضًا من النملة، وهي بثرة تخرج في جسد الإنسان، والأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الترخيص في الرقية ليست خاصة بالعين والحمة، بل جاءت أيضًا في غيرهما.
قال الشارح:[قوله: فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة كما تقدم ذلك في باب من حقق التوحيد، وكذا رخص في الرقى من غيرها كما في صحيح مسلم عن عوف بن مالك قال: (كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا) وفي الباب أحاديث كثيرة.
قال الخطابي: وكان عليه السلام قد رقى ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرًا أو قولًا يدخله شرك] .
قوله: (إنه رقى) فكان يرقي بعض أهله صلوات الله وسلامه عليه، وأما كونه رقي فإن جبريل عليه السلام رقى النبي عليه الصلاة والسلام، جاء إليه وقال: باسم الله أرقيك، الله يشفيك.
إلى آخره.
فالرقية حصلت له بدون طلب منه، فهذا يدل على الجواز مطلقًا إن لم يكن مستحبًا، والإنسان عليه أن يتحصن بأسماء الله وصفاته، وينبغي أن يكون له ورد من ذلك في أول النهار وآخره، يذكر من آيات الله، ومن أسماء الله ما يكون له حصنًا، وقد جاءت أحاديث كثيرة جدًا في أن من قال حين يمسي كذا وكذا لم يضره شيء، ومن قال حين يصبح كذا وكذا لم يضره شيء، وقد أفرد هذه الأمور العلماء بكتب مؤلفة، ومن أفضل ما كتب في ذلك وأحسنه ما كتبه الإمام النووي رحمه الله في كتابه الأذكار، فإن هذا الكتاب مما لا يستغني عنه المسلم، وينبغي له أن يراجعه دائمًا، ويقرأ فيه، ويحفظ ما ينبغي حفظه منه.
فالمقصود: أن هذا من الباب الذي يتزود به المؤمن ويتحصن به، كونه يلجأ إلى الله بأسمائه وصفاته جل وعلا، ويتعوذ بها ويتحصن به، فهو أمر مرغوب فيه، وفيه فضل عظيم؛ لأنه عبادة لله جل وعلا.
قال الشارح:[قلت: من ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أن ذلك من قبل الجن ومعونتهم، وبنحو هذا ذكر الخطابي.
وقال شيخ الإسلام: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلًا عن أن يدعو به، ولو عرف معناه؛ لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارًا فليس من دين الإسلام].
يكره الدعاء بغير العربية أو -مثلًا- طلب مسائل العلم؛ لأن الإنسان لا يفهم خطاب الله جل وعلا، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إلا بالعربية؛ ولهذا صار تعلم اللغة العربية واجب من واجبات الدين؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يفهم كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إلا بذلك، وإذا كان الإنسان لا يعرف اللغة العربية، والأمر ضروري يضطر إليه، فيجب عليه أن يتعلم.