وقول الله جل وعلا: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية:24] يذكر جل وعلا عن طائفة من العرب وغيرهم كبعض الدهرية من الفلاسفة وغيرهم، أنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، ولا بحياة أخرى يكون فيها جزاء، وإنما يعتقدون أن الإنسان إنما يتنعم في الحياة الدنيا فقط كما يقوله الملاحدة اليوم الحياة مادة، ونهاية الإنسان وغايته أن يكون ترابًا في هذه الأرض فلا حياة بعد ذلك ولا جزاء.
هذا هو الذي ذكره الله جل وعلا عن هؤلاء قولهم: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) أي: ليس وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى، إنما الحياة محصورة في هذه الدنيا، وقوله عنهم جل وعلا: (نَمُوتُ وَنَحْيَا) معناه: يموت قوم ويولد آخرون، فهذا معنى (نموت ونحيا) يعني: إذا انتهت أمور الإنسان وهرم مات، ويولد أناس جدد يفنيهم أيضًا الدهر: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) فقط (نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) يعني: ما يهلكنا إلا مرور الأيام والليالي، فإذا انتهى عمر الإنسان وهرم مات، ثم أصبح نسيًا منسيًا، ليس وراء ذلك شيء.
فقولهم: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) كذب وافتراء على الواقع، وافتراء على أخبار الله وقضائه جل وعلا، حينما قضى أن هذه الحياة هي مزرعة للحياة الآخرة، وقولهم: (نَمُوتُ وَنَحْيَا) مقصود هؤلاء أنهم يحيون حتى تنتهي أعمارهم، ثم يموتون ويحيا قوم آخرون، أي: يولد قوم آخرون يكونون مكانهم، وأن الأمور مستمرة على هذا الوضع فقط، ومن مات لا يعود أبدًا.
ولهذا قالوا: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) وهذا موضع الشاهد، حيث نسبوا الهلاك إلى الدهر، ومعنى ذلك أن الذي يهلكهم إما الكوارث وإما مرور الليالي والأيام، والهرم إذا هرموا ماتوا وليس للموت تقدير ولا حدود محددة، يوجدون بعدها ويبعثون.
وهذا المذهب من أخبث المذاهب، وهو مذهب طائفة قديمة، ولا يزال الآن في الوجود، وقد صار له دول ودعاة يدعون إليه، ولكنها دعوات باطلة؛ لأنها لا تنطوي على العقول، ولا على الفطر، فالعقل يكذبها، والواقع يكذبها، والفطر تأباها ولا تقبلها، ولهذا قال جل وعلا: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) يعني: ليس لهم أدلة على هذا القول، وإنما هو مجرد افتراء وكذب، أما الظن الذي ظنوه هنا فهو مجرد الوهم، والأدلة على خلاف ذلك.
من المعلوم من دين الإسلام أنه من أنكر البعث أو شك فيه يعتبر كافرًا؛ لأن مبنى الإسلام على الإيمان بالغيب، والإيمان بالأخبار التي يخبر الله جل وعلا أنها ستكون، ومن ذلك ما يلاقيه الميت بعد موته في قبره من مساءلة ومن عذاب أو نعيم، ثم إخراجه من قبره حيًا كما مات، ثم تركيبه تركيبًا جديدًا، بحيث لا يقبل الموت، وجزاؤه على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، هذا هو أصل الإيمان بالله جل وعلا وبرسله، فمن كذب ذلك أو شك فيه وتردد، فهو كافر بالله جل وعلا.
الشاهد في هذا أنهم أضافوا الهلاك إلى الدهر، فيكون فيه مسبة الدهر، وإضافة الحوادث إليه من الضر أو النفع، وهذا من سنة الكفرة والملاحدة الذين يلحدون في آيات الله وصفاته، وفي هذا من الشرك ما هو معلوم، حيث جعلوا المتصرف غير الله جل وعلا؛ لأن التصرف في الحياة والأشخاص والذوات والمعاني وفي كل شيء لله وحده.