قال الشارح:[قوله: (دخل الجنة رجل في ذباب) أي: من أجله.
وقوله: (قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله!) كأنهم تقالوا ذلك وتعجبوا منه، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيمًا يستحق هذا عليه الجنة، ويستوجب الآخر عليه النار] .
قوله: (دخل رجل النار في ذباب) ، (في) هنا سببية، ومثلها ما جاء في الحديث الصحيح: (دخلت امرأة النار في هرة) ، أي: بسبب هرة ربطتها حتى ماتت، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فرأيتها في النار والهرة تخمش وجهها بسبب ذلك) .
قال الشارح:[قوله: (مر رجلان على قوم لهم صنم) ؛ الصنم ما كان منحوتًا على صورة ويطلق عليه الوثن كما مر.
وقوله: (لا يجاوزه) أي: لا يمر به، ولا يتعداه أحد] .
الوثن في الواقع كل ما صد عن عبادة الله، ويطلق عليه طاغوت، والوثن قد يكون مجسدًا وقد يكون معنى من المعاني، فقد يكون مالًا، وقد يكون شخصًا، وقد يكون رئاسة، وقد يكون لعبة، أو أي شيء يتعلق به قلبه حتى يترك من أجله عبادة الله، ويصبح هذا الشيء مستوليًا على قلبه، فيحبه ويعمل من أجله؛ وذلك لأن الإنسان خلق لعبادة الله، فكل ما صده عن هذه العبادة فهو وثن.
ولهذا فإن من تمام عدل الله وحكمته جل وعلا أنه إذا جمع الناس ليوم القيامة، وقاموا لرب العالمين، وقد اشتدت عليهم الأهوال، وتمنوا فصل القضاء ولو إلى النار، فيأتون إلى الأنبياء ويبدءون بسيدنا آدم عليه السلام، ويسألونه أن يشفع لهم عند الله تعالى لفصل القضاء، فيعتذر لذنبه، ويرسلهم إلى نوح، فيعتذر نوح ويردهم إلى إبراهيم، وهكذا حتى يأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، يقول صلوات الله وسلامه عليه: (فأذهب إلى مكان تحت العرش، فأخر ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ساجدًا، ويفتح علي من الدعاء والمحامد والثناء، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) ، وهذه هي الشفاعة الكبرى ليقضى بين العباد ويرتاحون من هذا الموقف، ثم يخاطبهم الله جل وعلا ويقول: (أليس عدلًا مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟) ، وهذا هو الشاهد؛ وعند ذلك كل من كان يعبد شيئًا فإنه يؤتى بذلك الشيء في الموقف على صورته وهيئته وحالته التي كان يعبده في الدنيا، فإن كان المعبود من عباد الله المؤمنين جيء بشيطان على صورته؛ لأن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك ودعاهم إليه، ثم بعد ذلك يقال لهم: اتبعوا معبوداتكم فيتبعونهم إلى جهنم، فيكبكبون فيها هم والغاوون، وجنود إبليس أجمعون، فهؤلاء لا يحتاجون إلى محاسبة؛ لأنهم مشركون وكفرة، فلا يقام لهم يوم القيامة وزن.
ثم يبقى الذين يحاسبون، وهم الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، مقابل أولئك الذين يذهب بهم إلى جهنم بلا حساب، ويقابلهم طوائف من المؤمنين يذهب بهم إلى الجنة بلا حساب، وقد مر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن من هذه الأمة سبعين ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب.
فيبقى الذين يحاسبون، وهؤلاء هم الذين تنصب لهم الموازين كما جاء تفصيل ذلك مبينًا موضحًا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.