ووجود حلاوة الإيمان يكون بالقلب والبدن، فإن البدن يتبع القلب، ولهذا جاء في تفسير قوله جل وعلا: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه:123] يقول ابن عباس: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الدنيا قبل الآخرة، وليس معنى الشقاء: كونه يتعب في بدنه في العبادة أو يقوم الليل أو يصوم النهار، هذا ليس شقاءً ولا تعبًا، هذا يكون نعيمًا، وأهل الطاعة تكون أبدانهم أقوى من أبدان أهل المعصية، وإن كانوا يتنعمون بالملذات.
أحد السلف مضى عليه تسعون سنة، فكان يثب كوثوب الشباب فقال له رجل من الحاضرين: ارفق بنفسك فإنك كبير السن، فقال له: هذه جوارح حفظناها في الصغر عن معاصي الله؛ فحفظها الله جل وعلا لنا في الكبر.
والله جل وعلا يحفظ عبده الذي يحفظ جوارحه عن المعاصي والمخالفات، كما في حديث ابن عباس في وصية النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك) ، الحفظ يكون على نوعين: حفظ في الدين والعقيدة، وهذا أهم شيء يحفظه الله جل وعلا في دينه وعقيدته فلا يتزعزع، ولا يدخل في الشكوك والانحرافات.
وحفظ يكون في بدنه وجوارحه كالسمع والبصر وغيرها؛ لأنه لا يصيب الإنسان مصيبة بمرض أو غيره إلا من جراء ذنوبه، قال جل وعلا: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] .
الحسن البصري رحمه الله أوصى أصحابه في الجهاد فقال: إنهم وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين؛ فإن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه، فالمعصية فيها ذل وخزي، وفيها هدم للعمر والروح؛ لأنها محاربة لله جل وعلا، وفيها نزع البركة من البدن والجوارح والأعمال، وفيها أيضًا ظلمة في القلب، ووحشة فيما بينه وبين كل من يدور حوله في حياته، يجد قلبه يخفق دائمًا، حتى لو حركت الريح الباب وجدته يفزع ويخاف ما الذي حدث؟ ما الذي صار؟ أما أهل الطاعة فعندهم الطمأنينة والسكون؛ لأنهم يعرفون أن ما يصيبهم فبإذن ربهم، فيرضون ويسلمون وينقادون.
حلاوة الإيمان هي التي يجدها الإنسان في عبادته لربه جل وعلا من شيء يكون في القلب، ويكون في الجوارح، ثم الشيء الذي يؤمله ويرجوه في المستقبل فإنه يثق بربه جل وعلا وثوقًا لا يكون فيه إذلال، ولا يكون فيه غرور، ولا يمنعه من الاجتهاد؛ لأنه يعرف قدره هو, ولكنه يعرف فضل ربه جل وعلا.
لما حضرت الوفاة بلالًا رضي الله عنه كانت زوجته قريبة منه وهي تقول: وا كرباه! فقال: وا قرباه! غدًا ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه.
فهو يفرح ويستبشر، هكذا يكون العبد في أحلك المواقف وأشدها فرحًا مطمئنًا؛ لأن حلاوة الإيمان عنده، والطاعة التي يجدها أنه يفعلها على بصيرة، وليس كمن يفعل شيئًا ويقول: ما أدري هل هذا صواب أولا؟ ما أدري هل أنا على حق أم أنا على باطل؟ المقصود: أن حلاوة الإيمان ليست شيئًا خاليًا في قلبه أو شيئًا يتصوره في العقل فقط، ولا يجده في قلبه ولا في بدنه، كلا، بل هو كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: يجد حلاوة الإيمان في قلبه، وهذه الخصال الثلاث إذا اجتمعت فيه تامة فإنه يجد حلاوتها، أما إذا وجد بعضها دون بعض فلا يلزم أن يجد حلاوتها, قد لا يجد وقد يجد, وقد يجد شيئًا ضعيفًا, وإنما يجد الحلاوة من اجتمعت فيه هذه الثلاثة الأمور.