قال المصنف رحمه الله تعالى:[وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) رواه أبو داود.
] هذا الإتيان قيد بالتصديق: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) .
عندنا مسألتان: المسألة الأولى: من أتى كاهنًا لم تقبل له صلاة أربعين يومًا.
المسألة الثانية: من أتاه فسأله فصدقه فإن هذا كافر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
فتصديقه سيجعله مشاركًا له في عمله، ويجعله معتقدًا صحة قوله، والواجب أن يعتقد أنه باطل وأنه ضلال، ولو صدق مرة أو مرات فإما أن يكون موافقًا للقدر فقط أو يكون عن طريق إتيان الشيطان له بهذا الخبر الذي استرقه من الملائكة؛ لأن الله يأمر ملائكته بتدبير أمور خلقه، فيأتون ويتكلمون إما بإنزال المطر وأنه سينزل في يوم كذا على مكان كذا، أو -مثلًا- بموت رجل وأنه سيموت في كذا، أو بولادة رجل لفلان، أو بأمر من الأمور وأنه سيحدث كذا وكذا، فيأتي ويسترق هذا الشيطان ما سمعه من الملك ويأتي به فرحًا إلى وليه من الإنس؛ فينشره بين الناس ويغتر الجهلة في ذلك.
والمقصود بهذا: أن مجرد الإتيان إلى الكاهن من أصله محرم ولو لم يصدق، إلا إذا أتى إليه لينكر عليه ويبين بطلان ما هو فيه، ويبين للناس لئلا يغتروا به.
ومثل هذا يأتي للإنكار وليس للموافقة، أما إذا جاء ليتفرج وليسمع ولينظر فإنه داخل في الوعيد.
أما إذا جاء يسأله فقط سواءً صدق أو لم يصدق فإنه يكون كافرًا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن معنى سؤاله إقرار له، ومعنى ذلك: أن عنده شكًا، هل هو صادق أو غير صادق؟ والواجب ألا يكون عنده شك، بل يجب أن يجزم أنه باطل، وأنه ليس بشيء، وإنما هو من باب الدجل والتلبيس على الناس وإضلالهم.
قال المصنف رحمه الله: [وللأربعة والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: (من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) ولـ أبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا] .
الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن والوحي مطلقًا، كل ما أوحاه الله إليه من تكليف عباده من أمرهم ونهيهم كله أنزل عليه، ومعنى (كفر بما أنزل على محمد) : أنه كافر بالدين الإسلامي -نسأل الله العافية- ثم هذا الكفر هل هو كفر صريح مخرج من الدين أو أنه كفر دون كفر؟ الأفضل أنه لا يتكلم فيه، يقول الإمام أحمد: (يجب ألا نتكلم فيه، ونتركه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم) وأما كوننا نقول: إنه كفر دون كفر أو إنه كفر مخرج من الدين الإسلامي فهذا فيه شيء من الخطورة، وهو أننا عينا شيئًا ما ندري هل أراده الرسول صلى الله عليه وسلم أم أنه أراد غير ما عيناه! فيترك على ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، ونقول: إنه كفر ونسكت، وأمره إلى الله جل وعلا.
قال الشارح رحمه الله:[قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) رواه أبو داود، وفي رواية أبي داود: (أو أتى امرأةً -قال مسدد: امرأته- في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) .
فناقل هذا الحديث من السنن حذف منه هذه الجملة، واقتصر على ما يناسب الترجمة] .
هذا الحديث قالوا: إنه ضعيف، بل قالوا: انه منكر.
والصواب: أنه ليس منكرًا؛ لأن له شواهد كثيرة، وإنما المنكر لفظ: (من أتى حائضًا) .
أما إتيان المرأة في دبرها فقد جاءت الآثار عن الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك عن الصحابة: أن من فعل ذلك فإنه متوعد بوعيد شديد.
وقد سئل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها؟ فقال: أتسألني عن الكفر؟! وجعل هذا كفرًا.
وكذلك جاء: (من أتى امرأةً في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) .
ومعلوم أن هذا من أعظم المحرمات، والله جل وعلا يقول: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223] ومعلوم أن محل الحرث هو الفرج وليس الحش محل النجس الخبيث، فهذا لا يجوز أن يؤتى.
وجاء في الحديث: (إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن أو في حشوشهن) فالنهي عن ذلك صحيح ثابت.
وكذلك الحائض؛ فإن الله جل وعلا يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222] ، فهذا قول ربنا جل وعلا، وأقل ما يقال: إنه محرم من المحرمات، ولا يجوز للإنسان أن يرتكب ما نهاه الله عنه.
وأما إتيان الكاهن ففيه أحاديث كثيرة، وكونه حكم على المتن أنه منكر ليس مسلمًا، بل توجد أحاديث تعضده وتسنده، والمنكر هو: الذي يخالف الصحيح، ويخالف ما هو ثابت، وهذا لم يخالف، بل وافق ما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشارح رحمه الله:[قوله: وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن: (من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) هكذا بيّض المصنف اسم الراوي، وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا.
قوله: من أتى كاهنًا قال بعضهم: لا تعارض بين هذا وبين حديث: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) هذا على قول من يقول: هو كفر دون كفر.
أما على قول من يقول بظاهر الحديث فيسأل عن وجه الجمع بين الحديثين!] .
وجه الجمع بين الحديثين أن الأول مجرد إتيان، والثاني إتيان وسؤال، وقد ينضاف إلى السؤال تصديق، ففرق بين هذا وهذا، فإذا كان فيه سؤال وتصديق فهذا كفر، أما إذا كان مجرد إتيان فإنه لا تقبل له صلاة أربعين يومًا.
قال الشارح رحمه الله:[وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، وكان غالب الكهان قبل النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين.
قوله: (فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) قال القرطبي: المراد بالمنزل: الكتاب والسنة.
انتهى.
وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة أم يتوقف فيه فلا يقال: يخرج عن الملة ولا لا يخرج؟
الجوابيتوقف، وهذا هو أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى] .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ أبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا] .
قال الشارح رحمه الله:[قوله ولـ أبي يعلى اسمه: أحمد بن علي بن المثنى الموصلي الإمام صاحب التصانيف كالمسند وغيره، روى عن يحيى بن معين وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة وخلق، وكان من الأئمة الحفاظ، مات سنة سبع وثلاثمائة، وهذا الأثر رواه البزار أيضًا ولفظه: (من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) .
وفيه دليل على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يدعيان علم الغيب، وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به، وذلك كفر أيضًا] .