قال الشارح: [قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله في معنى قول الله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا} [فصلت:9] أي: وتجعلون لمن خلق ذلك أندادًا -وهم الأكفاء من الرجال- تطيعونهم في معاصي الله.
انتهى قلت: كما هو الواقع من كثير من عباد القبور].
قوله: {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا} [فصلت:9] الند: هو المثل والنظير ولو بوجه من الوجوه، لا يلزم أن يكون مثله من كل وجه، فهذا ما يقوله أحد من الخلق، لا يوجد أحد من خلق الله فيه شيء من العقل يقول: إن الصنم أو المقبور مثل الله من كل وجه، لا أحد يقول هذا، لكنهم جعلوه ندًا بوجه من الوجوه، مثل: الدعاء، فهذا ند له في الدعوة، ومثل الحب، فهذا المحبوب يكون ندًا له في المحبة، والمحبة تقتضي التعظيم والإجلال، ومثل الخوف، وهو الذي يسمونه خوف السر، وهو الخوف الغيبي، يخافه وهو في قبره، يخافه وهو بعيد عنه، من وقع له شيء من ذلك فقد عبد ذلك المخوف؛ لأن الخوف يجب أن يكون لله وحده، فهو الذي يطلع على ما في القلوب، وهو الذي لا يخفى عليه شيء، وهو الذي يكون مع الإنسان أينما كان، في جماعة أو في سر وحده أو ما شابه ذلك، وليس هذا لأحد من خلق الله، فمن جعل للمخلوق شيئًا من ذلك فقد جعله ندًا لله جل وعلا.
فالمقصود أن قوله: (الأكفاء من الرجال) معناه: أنه جعل الرجال أكفاء لله، والله ليس له كفؤًا تعالى وتقدس، والأكفاء في هذا يكون في مسألة من المسائل فقط، وليس في كل شيء؛ لأنه لا أحد يقول: إن رجلًا من الناس مثل الله من كل وجه، مثله في الخلق، مثله في الرزق، مثله في العلم، مثله في القدرة، مثله في الاطلاع، هذا لا يقوله عاقل، فعلم بهذا أن المقصود بالند أنه يكون في مسألة من مسائل العبادة.
ولهذا ذكر الله عن الكفار أنهم يلعن بعضهم لبعض وهم في النار بعد التبكيت واللوم والتقريع من بعضهم لبعض لأنه من تمام العذاب أن يجعل كل واحد عدوًا للآخر، وكل واحد يلعن الآخر، يقول بعضهم لبعض، التابع يقول للمتبوع والعابد يقول للمعبود: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الشعراء:97] يعني: يقسمون بالله، (تالله) : معناها والله، (لقد كنا في ضلال مبين) متى؟ {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:98] وقت تسويتنا لكم برب العالمين، كنا في ضلال مبين، أي: بين واضح، والتسوية ليست في الخلق والقدرة، ليست في التدبير، ليست في الملك، بل في المحبة فقط، أحبوهم كما أحب المؤمنون الله، كما في الآية التي ذكرها المؤلف: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة:165] فبين أن الندية في الحب فقط، يحبونهم كحبهم لله، فهذا تنديد، وهو جعل المخلوق كفؤًا لله جل وعلا في هذا الشيء.
ومثله أن يدعوه، ومثله ما لو ذبح له أو نذر له أو استغاث به أو طلب منه أن يخلصه من مشكلة من المشكلات التي يقع فيها، يطلب منه وهو في قبره، يطلب منه وهو غائب، قد يقع في مشاكل ثم يلجأ إلى من يعتقد أنه ولي ويسأله أن يخرجه من تلك المشكلة، فهذا سواه برب العالمين في هذا الدعاء وهذه الاستغاثة، وهذا هو التنديد الذي قصد في مثل هذه الآية: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا} [البقرة:22] .