يحدث عن هذه السيارة من إصلاح، مقابل التأمين الذي يدفع لهم سنويا، ولان الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي تترتب على حرمة أخذ بدل الأضرار الحاصلة خطيرة وكبيرة وذلك لأن البدائل الشرعية غير موجودة، فنظام العواقل، وكفالة الغارمين والفقراء وأبناء السبيل في مصارف الزكاة، والنفقات الواجبة، كلها أنظمة معطلة لا يعمل بها، مما يؤدي إلى المشقة والحرج، ويضيع بذلك كثير من الحقوق بين الناس. وهذه نازلة من النوازل المعاصرة، فإذا لم تكن حرمتها بشيء منصوص عليه ومصرح به، بل كانت حرمتها مظنونة ويتجاذب فيها الجانبان، ولو كان جانب الحرمة غالبًا، ففي مثل هذه النازلة لا يصح أن تصدر فتوى، إلا بعد دراسة الواقع الذي نعيشه دراسة دقيقة فالناس مجبرون على مثل هذا النوع من التأمين التجاري، بل إن السائق الذي انتهى ترخيص مركبته إن أصيب بحادث، أصابته فاجعة عظيمة، وخاصة إن أدى الحادث إلى موت أحد الركاب، وأكثر من (90 %) من الناس لا يستطيعون تحمل تكاليف التعويض الناتج من الحوادث وخاصة في غياب أي نظام شرعي تكافلي يتحمل المسؤولية مع من أصابه الضرر، فلو وجد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والمسامحة، لقلنا بحرمة أموال التأمين التجاري من غبر تردد، وهذا هو عينه ما دعا الشيخ مصطفى الزرقا وغيره إلى إباحة التأمين التجاري بكافة أنواعه واستثنى بعضهم التأمين على الحياة، وهو حاجة المجتمع إلى مثل هذا النظام لتكريس الطمأنينة والراحة بين أفراده، ومما لا شك فيه أن الإسلام راعى هذه المصلحة والحاجة وشرع كثيرا من الأحكام والنظم لتحقيقها، ولكنها وللأسف مغيبة عن الواقع مع غياب الشريعة بأكملها.
والذي يترجح لدي بعد نظر طويل في هذه النازلة، أن أخذ المال بدل الضرر الحاصل حاجة ماسة لا غنى عنها وخاصة أن هذا التأمين مفروض بواسطة الأنظمة والقوانين في زماننا وربما تمر السنة والسنتان على المرء دون أن يحصل معه أي حادث ومن ثم فأخذه للمال في مثل هذه الأحوال يكون من باب استرداد بعض ماله المأخوذ منه قصرا وأيضا فإن هذا المال يدفع لجبر مصيبة وضرر واقع ومتيقن في الحال، وليس هو من باب الترفه والتوسع في المعيشة، والأمر غير منصوص على حرمته، والقاعدة الشرعية (أن الحاجة إذا عمت تنزل منزلة الضرورة(والضرورات تبيح المحظورات) ويبقى التأمين التجاري حراما والحاجة لا تبرر القول بحله، وإنما تبرر أخذ المال، بل إن النازلة الواردة في السؤال حرمتها مظنونه وجانب الحرمة غالب، بل أفتى البعض بحله كنظام. وأما الكذب والاحتيال والتزوير والغش لأخذ مال على ضرر غير حاصل، فلا شك في حرمته، لأنه أكل لأموال الناس بالباطل، بل ذهب أهل العلم إلى حرمة أخذ أموال الحربي في دار الكفر بالغش والكذب والخديعة، وان أجاز الأحناف أخذه بعقد فاسد كالربا والمقامرة، لكن من غير غدر وخيانة. والله تعالى أعلم.