؟. فقال بعضهم: ذاك منافق لا يحبّ الله و رسوله. فقال رسول الله عليه الصّلاة و السّلام: لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال لا إله إلاّ الله يريد بذلك وجه الله؟. قال: الله و رسوله أعلم، قال: فإنّا نرى وجهه و نصيحته إلى المنافقين. قال رسول الله عليه الصّلاة و السّلام: فإنّ الله حرّم على النّار من قال لا إله إلاّ الله يبتغي بذلك وجه الله.
الشاهد من القصّة لعلّها عُلمت، و هو لمّا افتُقد مالك بن الدّخشن قال بعضهم في مجلس رسول الله عليه الصّلاة و السّلام بأنّه منافق، و العلّة في رمي بعضهم مالك بن الدّخشن بالنفاق هو لما رأوه من مجالسته لمن عُلم نفاقه و عداؤه لله و لرسوله عليه الصّلاة و السّلام، و أما النبيّ عليه الصّلاة و السّلام فلم يعترض على الّذي رمى بالنفاق إلاّ لمّا عيّن ابن الدّخشن، و لم ينكر عليه مطلق التعيين بالنفاق إذا توفّرت دواعيه، أمّا مالك بن الدّخشن فهو من الأنصار و هو ممّن شهد بدرا و ما بعدها من الغزوات مع رسول الله عليه الصّلاة و السّلام، فشهوده الغزوات و لا سيما غزوة بدر كانت تزكية له تمنع من رميه بالنفاق رضي الله عنه و الظاهر عنوان الباطن كما هو مقرّر عندنا، فكيف بامرئ ليس له ما لمالك بن الدّخشن بل ليس له إلا ارتكابه ما يوجب رميه بالنفاق؟
فالحديث يدلّ على مشروعية رمي المعيّن بالنفاق إذا أتى ما يوجب ذلك بعد توفر الشروط و انتفاء الموانع، و ليس بناءا على الظنّ أو الوهم، فهم علّلوا رميهم له بالنفاق واتوا بأمر ظاهر معلوم عندهم، و هذا مصداقا لقوله الله تعالى:"وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا".
ثانيا: تعيين أحد بالنفاق هو حكم شرعي يجب على القائل به أن يتقي الله بأن يرمي إنسانا بريئا ممّا اتُّهم به، فلا يجوز فتح باب كما فُتح من قبلُ من أناس لا خلاق لهم رموا كلّ من خالفهم بالبدعة بحجة الجرح و التعديل، فما رأينا منهم إلاّ جرح و تنكيل و ليس ثمّة تعديل أبدا إلاّ لمن خضع لمنهجهم و رضخ لمشايخهم، فكلّ إمريء هو رهين بما يقول و يفعل يوم يوقف بين يدي الله العظيم، فليُحاسب الإنسان نفسه و يتقي ربّه و يتثبّت من كلّ أمر قبل أن يرمي أحدا بالنفاق أو البدعة أو الكفر، و الله المستعان.
ثالثا: أدلّة كثيرة بيّنت فضل العلم و مكانة العلماء، و يكفي للعلماء شرفا أنّ الله أشهدهم على وحدانيته و قرنهم مع نفسه و ملائكته، و يكفيهم شرفا أنّهم ورثة الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام، لكن ما يجب أن يُعلم أنّ العالم لم يُفضل على سائر الخلق بعد الأنبياء لمجرد محفوظاته أو شهادته الأكاديمية أو شهرته، بل نال هذا الفضل لقيامه بأمر الله تعالى دعوة و مناصحة و صدعا بالحقّ، و أمرا بالمعروف و نهيا عن المنكر، و جهادا في