فرق بينه وبين سائر الكافرين المحاربين للدين، فهذا كافر بعينه، مرتد عن الإسلام، يجب قتله ردةً.
أما الجاسوس بالمفهوم القديم، وهو الذي يفشي بعض أخبارا المسلمين للكافرين لتأويل، فهذا يسميه بعض الفقهاء بالجاسوس المسلم، وفعله كبيرة عظيمة كما ذكر ابن القيم رحمه الله، حيث قال في"زاد المعاد": (وفيها - أي في قصة حاطب: أن الكبيرةَ العظيمَةَ مما دون الشركِ قد تُكَفَّرُ بالحسنةِ الكبيرةِ الماحية، كما وقع الجَسُّ مِن حاطب مكفَّرًا بشهوده بدرًا) ، فهذا التجسس بهذا المفهوم هو الذي وقع الخلاف في عقوبته قديما، والفقهاء وإن كانوا قد اتفقوا على أن فعله يستحق التعزير، إلا أنهم اختلفوا في نوعية عقوبته على عدة أقوال:
فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وبعض أصحاب مالك، وأبو يعلى وغيره من الحنابلة وهو ظاهر مذهب أحمد: أنه لا يُقتل، بل يُجلد جلدًا وجيعًا، ويُطال حبسه إلى أن يتوب، ويُنفى مِن الموضع الذي يكون فيه قريبا من الكفار.
أما الإمام أحمد فالمنصوص عنه التوقف في عقوبته.
وقالَ سُحْنون من المالكية: إذا كاتَبَ المسلمُ أهلَ الحرب، قُتِلَ، ولم يُستتب، ومالُه لورثته.
وقال ابن القاسم من المالكية: يُقتل ولا يعرف لهذا توبة، وهو كالزنديق.
وذهب الإمام مالك وباقي أصحابه وكذا ابنُ عقيل من أصحاب الإمام أحمد إلى جواز قتله، وأن قتله راجع إلى رأى الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين، قتله، وإن كان استبقاؤه أصلحَ، استبقاه، وعاقبه بما يراه مناسبا من جلد وحبس، وقد رجح ابن القيم هذا القول. أما الجاسوس الحربي الكافر: فقد اتفقوا جميعا على وجوب قتله.
وأما الجاسوس الذمي وكذا المستأمن: فذهب الحنفية وبعض المالكية والأوزاعي والحنابلة إلى أنه ينتقض عهده بذلك، فيعامله الإمام معاملة الأسير الكافر، فيتخير بين القتل أو الاسترقاق أو المن أو الفداء. وأما الشافعية فأصح أقوالهم أنه لا ينتقض عهدهم بذلك، وعليه فلا يعامل معاملة الأسير، بل يوجع عقوبة ويطال حبسه. وننصحك أخي السائل بقراءة كتاب (المُعلِم في حكم الجاسوس المسلم) للشيخ أبي يحيى الليبي، فهو كتاب نافع في بابه، وهذا هو رابط الكتاب: