بالسلام المصافحة، فهي من التحية .. فمن تمام المقاطعة والاجتناب والاعتزال والزجر والمعاداة لأعداء الله وشرعه، وأنصار الطواغيت، أن لا يضع الداعية المظهر لدينه يده في أيديهم، وأن يجعل ذلك من إنكاره عليهم باطلهم وشركهم وواقعهم وإظهار العداوة لهم ...
لكن لأن المصافحة ليست فيها نصوصًا صريحة صحيحة، كتلك التي تقدم بعضها في ابتداء السلام ... لذلك فنحن لا نُشدّد فيها .. كتشدّدنا في ابتدائهم بالسلام، نعم قد وردت في الباب بعض الأحاديث المرفوعة لو صحّت لكان لنا في ذلك قول آخر ...
إذا تقرر ما تقدم .. أمكن الجواب على قول السائل (وهل يجوز السلام على الكفار أو مصافحتهم لأجل تألف قلوبهم ودعوتهم .. ؟)
فنقول: إذا كانت العلاقة مع الكافر علاقة دعوة وبيان .. فأما بداءته بالسلام، فقد عرفت أن النهي قد ورد عنه بصراحة فنحن وإن كان مذهبنا التوسيع في ذلك في باب التقية والاستضعاف لأن (( الضرورات تبيح المحظورات ) )و (( إذا ضاق الأمر اتسع ) )كما هو في قواعد الفقه، إلا أننا نتشدّد ونضّيق فيه في باب الاستصلاح والاستحسان العقلي أو ما يسمى في مصطلح أهل العصر (مصلحة الدعوة) ... لأن ذلك أمر لم يترخص فيه من كان أحرص منا على الدعوة ومصلحتها صلوات الله وسلامه عليه.
فقد كان هديه في هذا الباب أن يسلم على من يدعوهم بقوله (السلام على من اتبع الهدى) .. كما روى البخاري في صحيحه في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (قوله(سلام على من اتبع الهدى) في رواية المصنف في الاستئذان (السلام) بالتعريف، وقد ذُكِرت في قصة موسى وهارون مع فرعون، وظاهر السياق يدل على أنه من جملة ما أمرا به أن يقولاه) أ. هـ.
أما رد السلام .. فقد عرفت فيما تقدم قول العلماء فيه، وأن التشديد فيه ليس كالبداءة ... فمن الناس من جوّز أن يقال لهم (أهلًا وسهلًا) أو (مرحبًا) أو (صباح الخير) أو الإشارة باليد ونحو ذلك، مما يمكن استعماله تأليفًا للمدعو .. بل من العلماء من جوّز رد التحية بمثلها إن كان تسليم الكافر صريحًا لعموم قوله تعالى: (أو ردّوها) وأن الرد بقولنا (وعليكم) جائز بالاتفاق، بل واجب عند بعض العلماء.