التعارض الظاهري عند بعض أهل الإسلام فدوائه السؤال لإزالة الإشكال .. ولا حرج في ذلك، بل هو الواجب كما في حديث: (ألّا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال) [أخرجه أبو داود] .
وأما ما يهرف به البعض في هذا الزمان وقبله، من عرض السنة على عقولهم، فما وافقها صححوه، وما عارضها ضعفوه وردوه، فهذا مسلك أبي جهل والعياذ بالله، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله:"إذا رأيت المُتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث وهات العقل. فاعلم أنه أبو جهل".اهـ [سير أعلام النبلاء 4/ 472]
ثانيًا: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: (تدري أين تذهب) . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها .. ) .
فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم:"تسجد": قال الإمام ابن العربي رحمه الله:"أنكر قوم سجودها، وهو صحيح ممكن، وتأوله قوم على ما هي عليه من التسخير الدائم ..".اهـ
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:"يحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة، أو تسجد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين".اهـ [فتح الباري 6/ 360] .
معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"تحت العرش": قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:".. هو حين محاذاتها".اهـ [فتح الباري 8/ 688] ، وقال أيضًا:"وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها".اهـ [فتح الباري 8/ 689] .
ثالثًا: يظهر مما سبق أن أهل العلم لم يختلفوا في وقوع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من سجود الشمس، ولكنهم اختلفوا في كيفية ذلك، ونظير هذا قوله تعالى: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) وقوله تعالى: (ويسبح الرعد بحمده) وقوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) وقوله تعالى: (والنجم والشجر يسجدان) فكل هذه المذكورات تسبح الله وتسجد له، ولكننا لا نعلم كيفية ذلك، ولم يبينه الله تعالى لنا، فاجتهد أهل العلم -جزاهم الله خيرًا- في تكلف معرفة ذلك.