فهرس الكتاب
الْمَقَامُ الْخَامِسُ: قَالَتْ الصَّحَابَةُ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؛ أَبْقِ جَيْشَ أُسَامَةَ؛ فَإِنَّ مَنْ حَوْلَك قَدْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ، فإن أرسلت الجيش إلى الشام لم تأمن على نفسك ولا على من معك بالمدينة فقال: وَاَللَّهِ لَوْ لَعِبْت الْكِلَابُ بِخَلَاخِيلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا رَدَدْت جَيْشًا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالُوا لَهُ: فَمَعَ مَنْ تُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ: وَحْدِي حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي1 .
الْمَقَامُ السَّادِسُ: وَهُوَ ضَنْكُ الْحَالِ وَمَأْزِقُ الِاخْتِلَالِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تُوُفِّيَ اضْطَرَبَ الْأَمْرُ، وَمَاجَ النَّاسُ، وَمَرَجَ قَوْلُهُمْ2 ، وَتَشَوَّفُوا إلَى رَأْسٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ تَدْبِيرُهُمْ، وَاجْتَمَعَتْ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَلَهُمْ الْهِجْرَةُ، وَفِيهِمْ الدَّوْحَةُ، وَالْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِمْ نُزُلٌ، وَانْتَدَبَ الشَّيْطَانُ لِيَزِيغَ قُلُوبَ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، فَسَوَّلَ لِلْأَنْصَارِ أَنْ يَعْقِدُوا لِرَجُلٍ [مِنْهُمْ] 3 الْأَمْرَ؛ فَجَاءَ الْمُهَاجِرُونَ. فَاجْتُمِعُوا إلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَالُوا: نُرْسِلُ إلَيْهِمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا، أَلَا نَأْتِيهِمْ فِي مَوْضِعِهِمْ ، فَنُوزِعَ4 فِي ذَلِكَ، فَصَرَمَ وَتَقَدَّمَ وَاتَّبَعَتْهُ الْمُهَاجِرُونَ حَتَّى جَاءَ الْأَنْصَارَ فِي مَكَانِهِمْ، وَتَقَاوَلُوا، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ فِي كَلَامِهَا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَتَصَدَّرَ أَبُو بَكْرٍ بِحَقِّهِ، وَتَكَلَّمَ عَلَى مُقْتَضَى الدِّينِ وَوَفْقِهِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؛ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا رَهْطُ رَسُولِ اللَّهِ وَعِتْرَتُهُ5 الْأَدْنَوْنَ، وَأَصْلُ الْعَرَبِ، وَقُطْبُ النَّاسِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ".
وَقَدْ سَمَّانَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الصَّادِقِينَ حِينَ قَالَ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ} [ا لحشر: 8] .
وَسَمَّاكُمْ الْمُفْلِحِينَ، فَقَالَ: {وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
وَأَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا حَيْثُ كُنَّا، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] .
1 السالفة: ناحية مقدم العنق.
2 مرج قولهم: اختلط.
3 من ل.
4 في ل: فتورع.
5 عترة الرجل: رهطه الأدنون. ويقال: أقرباؤه.