فهرس الكتاب
وَقَالَ لَكُمْ [النَّبِيُّ] 1:"سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ".
وَقَالَ لَنَا فِي آخَرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا:"أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا أَنْ تَقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ"وَلَوْ كَانَ لَكُمْ فِي الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا رَأَيْتُمْ أَثَرَةً، وَلَا وَصَّى بِكُمْ.
فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ عِلْمِهِ، وَوَعَوْهُ مِنْ قَوْلِهِ تَذَّكَّرُوا الْحَقَّ؛ فَانْقَادُوا لَهُ، وَالْتَزَمُوا حُكْمَهُ؛ فَبَادَرَ عُمَرُ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؛ اُمْدُدْ يَدَك أُبَايِعْك. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا سَمِعْت مِنْك تَهَّةً فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَهَا، أَتُبَايِعُنِي وَأَبُو بَكْرٍ فِيكُمْ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اُمْدُدْ يَدَك أُبَايِعْك يَا أَبَا بَكْرٍ. فَمَدَّ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ وَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَصَارَ الْحَقُّ فِي نِصَابِهِ، وَدَخَلَ الدِّينُ مِنْ بَابِهِ.
وَلَوْ هُدُوا لِهَذِهِ الْفِرْقَةِ الْأَدَبِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ لَمَا كَانُوا عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ جَائِرِينَ وَبِحَقِيقَتِهِ جَاهِلِينَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُمْ بِقِرَاءَةِ كُتُبٍ مِنْ الْأَدَبِ وَالتَّارِيخِ قَدْ تَوَلَّاهَا جُهَّالٌ وَضُلَّالٌ، فَقَالُوا: فَعَلَ عَلِيٌّ. وَقَالَ عَلِيٌّ، وَلَا يَقَعُ عَلِيٌّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ إلَّا نُقْطَةً مِنْ بَحْرٍ، أَوْ لُقَطَةً فِي قَفْرٍ، لَقَدْ اسْتَقَامَ الدِّينُ وَعَلِيٌّ عَنْهُ فِي حِجْرٍ، وَقَدْ كَانَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدَ رِجَالِهِ، وَفَارِسًا مِنْ فُرْسَانِهِ، وَوَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَقَرِيبًا مِنْ أَقْرِبَائِهِ، فَلَمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِرَسُولِهِ، وَانْفَرَدَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَقُمْ بِالْأَمْرِ وَلَا قَعَدَ، وَذَلِكَ أَمْرٌ قَضَاهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ، وَقَدَّرَهُ بِالصِّدْقِ، وَأَنْفَذَهُ بِالْحِكْمَةِ وَالْحُكْمِ، وَمَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ أَحَدًا ثَبَتَ عَلَى الدَّيْنِ، وَقَرَّرَ وُلَاتَهُ فِي الْأَقْطَارِ، وَأَنْفَذَ الْجُيُوشَ إلَى الْأَمْصَارِ، وَقَاتَلَ عَلَى الْحَقِّ، وَقُدِّمَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ خَيْرِ الْخَلْقِ الصِّدِّيقُ؛ فَمَهَّدَ الدَّيْنَ، وَاسْتَتَبَّ بِهِ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} :
وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ هِيَ الْعُمْدَةُ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا النَّصْرُ، وَيَظْهَرُ بِهَا الْحَقُّ، وَيُسْلِمُ مَعَهَا الْقَلْبُ، وَتَسْتَمِرُّ مَعَهَا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ الْجَوَارِحُ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَمَلُ الْمَرْءِ كُلُّهُ بِالطَّاعَةِ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ، فَإِنَّمَا يُقَاتِلُ الْمُسْلِمُونَ بِأَعْمَالِهِمْ لَا بِأَعْدَادِهِمْ، وَبِاعْتِقَادِهِمْ لَا بِأَمْدَادِهِمْ؛ فَلَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ الْفُتُوحَ عَلَى قَوْمٍ كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمْ إلَّا الْغَلَّابِيّ2 .
وَلِذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"إنَّمَا تُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ". إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الطَّاقَةَ فِي الطَّاعَةِ، وَالْمِنَّةَ فِي الْهِدَايَةِ.
1 من ل.
2 هكذا بالأصول.