بِلَامَيْنِ: اللَّامُ الْوَاحِدَةُ الْأُولَى لَامُ الْقَسَمِ بِلَا كَلَامٍ، وَالثَّانِيَةُ لَامُ الْجَوَابِ، وَكِلَاهُمَا لِلتَّأْكِيدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُمَا لَامَا الْقَسَمِ، وَلَيْسَ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ، وَكَيْفَمَا كَانَ الْأَمْرُ بِيَمِينٍ أَوْ بِالْتِزَامٍ1 مُجَرَّدٍ عَنْ الْيَمِينِ، أَوْ بِنِيَّةٍ، فَإِنَّهُ عَهْدٌ.
وَكَذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنَّ الْعَهْدَ وَالطَّلَاقَ وَكُلَّ حُكْمٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمَرْءُ وَلَا يَفْتَقِرُ2 فِي عَقْدِهِ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْهُ مَا يَلْتَزِمُهُ بِقَصْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُ أَحَدًا حُكْمٌ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَلْفِظَ بِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ سُئِلَ: إذَا نَوَى رَجُلٌ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ بِلِسَانِهِ، يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ يَلْزَمُهُ، كَمَا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ، وَكَافِرًا بِقَلْبِهِ.
وَهَذَا أَصْلٌ بَدِيعٌ، وَتَحْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ عَقْدٌ لَا يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ فِي الْتِزَامِهِ3، فَانْعَقَدَ عَلَيْهِ بِنِيَّةٍ. أَصْلُهُ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ.
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ أَحْسَنَ بَيَانٍ، فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى هَذَا الْغَرَضِ قَبْلَ هَذَا بِمِرْمَاةٍ مِنْ النَّظَرِ تُصِيبُهُ، وَهَذَا يُعَضِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إنْ كَانَ نَذْرًا فَالْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ. وَإِنْ كَانَتْ يَمِينًا فَلَيْسَ الْوَفَاءُ بِالْيَمِينِ بِاتِّفَاقٍ، بَيْدِ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ [إنْ كَانَ نَذَرَ الرَّجُلُ أَوْ] 4 إنْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَرْضُ الزَّكَاةِ، فَسَأَلَ اللَّهَ مَالًا يَلْتَزِمُ فِيهِ مَا أَلْزَمَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَيُؤَدِّي مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا آتَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلَ تَرَكَ مَا الْتَزَمَ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ فِي أَصْلِ الدِّينِ لَوْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، لَكِنَّ التَّعَاطِيَ بِطَلَبِ الْمَالِ لِأَدَاءِ الْحُقُوقِ هُوَ الَّذِي أَوْرَطَهُ، إذْ كَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ خَالِصَةٍ، أَوْ5 كَانَ بِنِيَّةٍ لَكِنْ سَبَقَتْ فِيهِ الْبِدَايَةُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ فِيهَا الشَّقَاوَةُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إنْ كَانَ هَذَا الْمُعَاهِدُ عَارِفًا بِاَللَّهِ فَيَفْهَمُ وَجْهَ الْمُعَاهَدَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَارِفٍ بِاَللَّهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ مُعَاهَدَةُ اللَّهِ مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ.
1 في أ: أو التزام.
2 في أ: لا يفتقر.
3 في أ: إلزامه.
4 من ل.
5 في أ: وإن.