فهرس الكتاب

الصفحة 1185 من 2471

قُلْنَا: إنْ كَانَ وَقْتَ الْمُعَاهَدَةِ عَارِفًا بِاَللَّهِ، ثُمَّ أَذْهَبَ الْمَعْرِفَةَ سُوءُ الْخَاتِمَةِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ الْمُعَاهَدَةِ مُنَافِقًا يُظْهِرُ الْإِيمَانَ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْكُفَّارَ يَعْرِفُونَ اللَّهَ فَالْمُعَاهَدَةُ مَفْهُومَةٌ، وَإِنَّ قُلْنَا: لَا يَعْرِفُونَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْمُعَاهَدَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا مُعَاقَدَةٌ بِعَزِيمَةٍ مُحَقَّقَةٍ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنْ عَاهَدَ اللَّهَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُعَاقَدَةِ فَخَاصٌّ مِنْ خَوَاصِّ أَوْصَافِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ رَبُّهُ فَيَنْعَقِدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ، وَيَنْفُذُ عَلَيْهِ عِقَابُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الذِّكْرِ اللَّازِمِ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى {بَخِلُوا بِهِ } :

اُخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَقِيلَ: الْبُخْلُ مَنْعُ الْوَاجِبِ، وَالشُّحُّ مَنْعُ الْمُسْتَحَبِّ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ} إلَى: {الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ } [الحشر: 9] .

وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدٌ. وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي الْمُتَقَدِّمِ مِنْ الْقَوْلِ، وَمَا حَكَيْنَاهُ هَاهُنَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِيهَا، وَظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِيهَا.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} :

النِّفَاقُ فِي الْقَلْبِ هُوَ الْكُفْرُ، وَإِذَا كَانَ فِي الْأَعْمَالِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ، وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ وَالْأُصُولِ، وَفِيهِ:

قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ1 -:"أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ". رَوَتْهُ الصِّحَاحُ وَالْأَئِمَّةُ، وَتَبَايَنَ النَّاسُ فِيهِ حَزْقًا2، وَتَفَرَّقُوا فِرَقًا، بِسَبَبِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ بِالْجَوَارِحِ لَا تَكُونُ كُفْرًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ، وَلَا فِي دَلِيلِ التَّحْقِيقِ.

وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ صَحَّ نِفَاقُهُ وَخَلَصَ، وَإِذَا كَانَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ كَانَتْ فِيهِ مِنْ النِّفَاقِ خَصْلَةٌ، وَخَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ نِفَاقٌ، وَعُقْدَةٌ مِنْ الْكُفْرِ كُفْرٌ، وَعَلَيْهِ يَشْهَدُ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَالَ فِيهِ مِنْ نَكْثِهِ لِعَهْدِهِ، وَغَدْرِهِ الْمُوجِبِ لَهُ حُكْمَ النِّفَاقِ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ يَعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَعْهَدُ بِعَهْدٍ لَا يَعْتَقِدُ الْوَفَاءَ بِهِ، وَيَنْتَظِرُ الْأَمَانَةَ لِلْخِيَانَةِ فِيهَا.

1"صحيح مسلم": [76] .

2 حزقًا: جماعات وفرقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت