الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}
إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا؛ وَأَمَّا كُلُّ حَقٍّ لَا يَقُومُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ كَالْحُدُودِ فَلَا كَفَالَةَ فِيهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَتُرَكَّبُ عَلَى هَذِهِ مَسْأَلَةٌ. وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا قَالَ: أَنَا زَعِيمٌ لَك بِوَجْهِ فُلَانٍ. قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ؛ إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَجِدُهُ أَمْ لَا؟ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالزَّعَامَةِ تَنْزِيلُ الزَّعِيمِ1 مَقَامَ الْأَصْلِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ حُضُورِ الْأَصْلِ أَدَاءُ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ الزَّعِيمُ. وَمَسَائِلُ الضَّمَانِ كَثِيرَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي"مَسَائِلِ الْخِلَافِ"وَ"الْفُرُوعِ".
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ نَصٌّ فِي الزَّعَامَةِ فَمَعْنَاهَا نَصٌّ فِي الْجَعَالَةِ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الإِجَارَةِ2، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَعَالَةِ وَالْإِجَارَةِ أَنَّ الْإِجَارَةَ يَتَقَدَّرُ فِيهَا الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ مِنَ الجِهَتَيْنِ، وَالْجَعَالَةُ يَتَقَدَّرُ فِيهَا الْجُعَلُ وَالْعَمَلُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
وَدَلِيلُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَعَ الْبَيْعَ وَالِابْتِيَاعَ فِي الْأَمْوَالِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ3 وَتَبَدُّلِ الْأَحْوَالِ، فَلَمَّا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ شَرَعَ لَهَا سَبِيلَ الْبَيْعِ وَبَيَّنَ أَحْكَامَهُ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمَنَافِعُ كَالْأَمْوَالِ فِي حَاجَةٍ إلَى اسْتِيفَائِهَا؛ إذْ لَا يَقْدِرُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ فِي جَمِيعِ أَغْرَاضِهِ نَصَبَ اللَّهُ الْإِجَارَةَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ بِالْأَعْوَاضِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُصُولِ الْأَغْرَاضِ، وَأَنْكَرَهَا الْأَصَمُّ، وَهُوَ عَنْ الشَّرِيعَةِ أَصَمُّ؛ فَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْإِجَارَةَ، وَفَعَلَهَا الصَّحَابَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي"كُتُبِ الْخِلَافِ".
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ بِالزَّمَانِ، كَقَوْلِهِ: تَخْدُمُنِي الْيَوْمَ. وَقَدْ يَقُولُ: تَخِيطُ لِي هَذَا الثَّوْبَ؛ فَيُقَدَّرُ الْعَمَلُ بِالْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ، كَقَوْلِهِ: مَنْ جَاءَنِي بِضَالَّتِي أَوْ جَلَبَ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ كَذَا، فَأَحَدُ الْعِوَضَيْنِ لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ، وَالْعِوَضُ الْآخَرُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ، فَإِنَّ مَا يَسْقُطُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَتَعَدَّى سُقُوطُهُ إلَى مَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الَّذِي قَدَّمْنَا مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ، وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَتَقَدَّرُ، وَقَدْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ وَالْجَعَالَةُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّتْهُمَا الشَّرِيعَةُ، وَنَفَتْ عَنْهُمَا الْغَرَرَ وَالْجَهَالَةَ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي"كُتُبِ الْمَسَائِلِ".
1 في م: الزعم.
2 في هامش م: مسائل الإجارة والعرض.
3 في م: الأعراض.