فهرس الكتاب

الصفحة 1436 من 2471

وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إذَا أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تَعَوَّذَ بِاَللَّهِ، وَتَأَوَّلُوا ظَاهِرَ {إذَا قَرَأْت} عَلَى أَنَّهُ إذَا أَرَدْت، كَمَا قَالَ: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] مَعْنَاهُ، إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ إلَى الصَّلَاةِ، وَكَقَوْلِهِ: إذَا أَكَلْت فَسَمِّ اللَّهَ؛ مَعْنَاهُ: إذَا أَرَدْت الْأَكْلَ.

وَحَقِيقَةُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ"فَعَلَ"يَحْتَمِلُ ابْتَدَأَ الْفِعْلَ، وَيَحْتَمِلُ تَمَادِيهِ فِي الْفِعْلِ، وَيَحْتَمِلُ تَمَامَهُ لِلْفِعْلِ.

وَحَقِيقَتُهُ تَمَامُ الْفِعْلِ وَفَرَاغُهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ قَوْمٍ أَنَّ حَقِيقَتَهُ كَانَ فِي الْفِعْلِ، وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْمَاضِي هُوَ فَعَلَ، كَمَا أَنَّ بِنَاءَ الْحَالِ هُوَ يَفْعَلُ، وَهُوَ بِنَاءُ الْمُسْتَقْبَلِ بِعَيْنِهِ.

وَيُخَلِّصُهُ لِلْحَالِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِك الْآنَ، وَيُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبَالِ قَوْلُك سَيَفْعَلُ، هَذَا مُنْتَهَى الْحَقِيقَةِ فِيهِ.

وَإِذَا قُلْنَا: قَرَأَ، بِمَعْنَى أَرَادَ، كَانَ مَجَازًا، وَوَجَدْنَا مُسْتَعْمَلًا، وَلَهُ مِثَالٌ فَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ.

فَإِنْ قِيلَ: وَمَا الْفَائِدَةُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَقْتَ الْقِرَاءَةِ؟ وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قُلْنَا: فَائِدَتُهُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ؛ وَلَيْسَ لِلشَّرْعِيَّاتِ فَائِدَةٌ إلَّا الْقِيَامُ بِحَقِّ الْوَفَاءِ فِي امْتِثَالِهَا أَمْرًا، أَوْ اجْتِنَابِهَا نَهْيًا.

وَقَدْ قِيلَ: فَائِدَتُهَا الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، كَمَا قَالَ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أَمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] ؛ يَعْنِي فِي تِلَاوَتِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي جُزْءِ"تَنْبِيهِ الْغَبِيِّ عَلَى مِقْدَارِ النَّبِيِّ".

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا افْتَتَحَ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ، ثُمَّ يَقُولُ:"سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَتَبَارَكَ اسْمُك، وَتَعَالَى جَدُّك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك"، ثُمَّ يَقُولُ:"لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، ثَلَاثًا". ثُمَّ يَقُولُ:"اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، ثَلَاثًا، أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ"1، ثُمَّ يَقْرَأُ. هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَعَوَّذُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْقِرَاءَة"ِ2، وَهَذَا نَصٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَرَى الْقِرَاءَةَ قَبْلَ الِاسْتِعَاذَةِ بِمُطْلَقِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ.

1 الهمز: الغمز والنخس. وكل شيء دفعته فقد همزته. والنفخ: الكبر، لأن المتكبر يتعاظم ويجمع نفسه ونفسه فيحتاج أن ينفخ. قال ابن الأثير: جاء تفسيره في الحديث أنه الشعر لأنه ينفث من الفم.

2 في أ: قبل القراءة في الصلاة الذكر المشهور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت