وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَعَوَّذُ فِي الْفَرِيضَةِ، وَيَتَعَوَّذُ فِي النَّافِلَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فِي قِيَامِ رَمَضَانَ. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ:"سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك"قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ إسْكَاتَةً فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إسْكَاتُك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ فِيهِ؟ قَالَ:"أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ".
وَمَا أَحَقَّنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، لَوْلَا غَلَبَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْحَقِّ.
وَتَعَلَّقَ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ"الْمُدَوَّنَةِ"بِمَا كَانَ فِي الْمَدِينَةِ مِنَ العَمَلِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَك أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْأُمَّةِ تَرَكَ الِاسْتِعَاذَةَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يُفْعَلُ سِرًّا، فَكَيْفَ يُعْرَفُ جَهْرًا.
وَمِنْ أَغْرَبِ مَا وَجَدْنَاهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي"الْمَجْمُوعَةِ"فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ } الْآيَةَ قَالَ: ذَلِكَ بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِمَنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ، وَلَا يُعَضِّدُهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْآيَةِ، وَحَقِيقَتَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ لَكَانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ دَعْوَى عَرِيضَةً لَا تُشْبِهُ أُصُولَ مَالِكٍ، وَلَا فَهْمَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِسِرِّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.