وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أُحِلَّ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ.
قَالَ الْقَاضِي: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ".
وَقَدْ كَانَتْ الشَّدَائِدُ وَالْعَزَائِمُ فِي الْأُمَمِ، فَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنَ المُسَامَحَةِ وَاللِّينِ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا قَبْلَهَا فِي حُرْمَةِ نَبِيِّهَا، وَرَحْمَةِ نَبِيِّهَا صلى الله عليه وسلم لَهَا.
فَأَعْظَمُ حَرَجٍ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا نُبْدِي فِي أَنْفُسِنَا وَنُخْفِيهِ، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ إصْرٍ وُضِعَ، كَمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَغَيْرِهَا.
وَمِنْهَا التَّوْبَةُ بِالنَّدَمِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَالِاسْتِغْفَارُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ. وَقِيلَ لِمَنْ قَبْلَنَا: {فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البفرة: 54] وَلَوْ ذَهَبْت إلَى تَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ لَطَالَ الْمَرَامُ.
وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُنَا تَعَالَى إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ أَيْضًا فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي"الصَّحِيحِ"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ:"اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ". فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ:"ارْمِ وَلَا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ يَوْمَهُ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ:"افْعَلْ وَلَا حَرَجَ".
فَأَعْجَبُ لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ الدَّمَ عَلَى مَنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ: وَلَا حَرَجَ، وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِي هَذِهِ النَّازِلَةُ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، كَانَ مَعِي مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، فَلَمَّا رَمَيْت جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَانْصَرَفْت إلَى النَّحْرِ جَاءَ الْمُزَيِّنُ وَحَضَرَ الْهَدْيَ، فَقَالَ أَصْحَابِي: نَنْحَرُ وَنَحْلِقُ، فَحَلَقْت، وَلَمْ أَشْعُرْ قَبْلَ النَّحْرِ، وَمَا تَذَكَّرْت إلَّا وَجُلُّ شَعْرِي قَدْ ذَهَبَ بِالْمُوسَى، فَقُلْت: دَمٌ عَلَى دَمٍ، لَا يَلْزَمُ، وَرَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطَ لِارْتِفَاعِ الْخِلَافِ. وَالْحَقُّ هُوَ الْأَوَّلُ، فَهُوَ الْمَعْقُولُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا بِالْحَظْرِ، وَالْآخَرُ بِالْإِبَاحَةِ، فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ مَالَ إلَى الِاسْتِظْهَارِ، وَقَالَ: يُقَدَّمُ دَلِيلُ الْحَظْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقَدَّمُ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ، وَيَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ مَقَاصِدُ مَالِكٍ، إلَّا فِي بَابِ الرِّبَا، فَيُقَدَّمُ دَلِيلُ الْحَظْرِ، وَذَلِكَ مِنْ فِقْهِهِ الْعَظِيمِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى زِيَادَةِ رُكْنٍ فِي الْعِبَادَةِ، أَوْ شَرْطٍ، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إسْقَاطِهِ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِيهِ؛ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ، وَقَضَى بِزِيَادَةِ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ بِالْخِفَّةِ، وَقَالَ بِدَلِيلِ الْإِسْقَاطِ، وَلَمْ يُعَوِّلْ مَالِكٌ هَاهُنَا عَلَى أَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ: كَانَ بِزِيَادَةٍ