اللِّعَانُ شَهَادَةً، وَتَارَةً يُجْعَلُ حَدًّا. وَلَوْ كَانَ حَدًّا مَا حُبِسَ عَلَى فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُؤْخَذُ قَسْرًا مِنْ صَاحِبِهِ؛ فَإِذَا لَاعَنَ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الحَدِّ، وَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ يَتَنَازَعَانِ، فَلَوْ كَانَ اللِّعَانُ شَهَادَةً لَكَانَ تَحْقِيقًا لِلزِّنَا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَدَّمْنَا لِتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك".
ثُمَّ يُقَالُ لَهَا: اعْتَرِفِي فَتُحَدِّي أَوْ بَرِّئِي نَفْسَك؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ} [النور: 8] وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْعَذَابُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْحَبْسُ.
فَيُقَالُ لَهُ: وَلِمَ تُحْبَسُ، وَلِمَ يَجِبُ عَلَيْهَا بِقَوْلِ الزَّوْجِ شَيْءٌ عِنْدَك؟
ثُمَّ قُلْت: اللِّعَانُ حَدٌّ فَكَيْفَ وَجَبَ عَلَيْهَا بِقَوْلِ الزَّوْجِ حَدٌّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} ، وَهُوَ الْحَدُّ، بِدَلِيلِ قَوْله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ} [النور: 2] يَعْنِي الْحَدَّ؛ فَسَمَّاهُ عَذَابًا هَاهُنَا؛ وَهُوَ ذَاكَ بِعَيْنِهِ؛ لِاتِّحَادِ الْمَقْصَدِ فِيهَا.
فَإِنْ قِيلَ: اللِّعَانُ يَمِينٌ أَوْ شَهَادَةٌ مِنَ الزَّوْجِ؟ وَأَيُّمَا كَانَ فَلَا يُوجِبُ حَدًّا عَلَى الْمَرْأَةِ.
قُلْنَا: أُقِيمَ مَقَامَ الشَّهَادَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْلُصُ بِهِ الزَّوْجُ مِنَ الحَدِّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْبُدَاءَةُ فِي اللِّعَانِ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ:
وَهُوَ الزَّوْجُ، وَلَوْ بَدَأَ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّهُ عَكَسَ مَا رَتَّبَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِيهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، وَلَا مَعْنًى يَقْوَى بِهِ؛ بَلْ الْمَعْنَى لَنَا، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا بَدَأَتْ بِالْيَمِينِ فَتَنْفِي مَا لَمْ يَثْبُتْ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إذَا صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي قَذْفِهِ، وَهُنَاكَ وَلَدٌ لَمْ يُلَاعِنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ لَا لِعَانَ عِنْدَهُ عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إذَا قَذَفَهَا بِرَجُلٍ سَمَّاهُ كَشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ أَسْقَطَ اللِّعَانُ عَنْهُ حَدَّ الْقَذْفِ لِزَوْجَتِهِ وَحُدَّ لِشَرِيكٍ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُحَدُّ لَهُ إذَا لَاعَنَ زَوْجَهُ.