فَأَنْكَرْت أَنْ تُرَاجِعَنِي فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ، فَوَاَللَّهِ إنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنَّ يَوْمَهَا حَتَّى اللَّيْلِ. فَقُلْت: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ، وَخَسِرَ، أَتَأْمَنُ إحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَتْ عَلَيَّ حَفْصَةُ، فَقُلْت: لَا يَغْرُرْك أَنْ كَانَتْ جَارِيَتُك هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْك. فَتَبَسَّمَ أُخْرَى. فَقُلْت: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ:"نَعَمْ"فَجَلَسْت فَرَفَعْت رَأْسِي فِي الْبَيْتِ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إلَّا أَهَبَةً ثَلَاثَةً، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ مِنْ مَرَّتَيْنِ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ الثَّالِثَةَ. فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ كَمَالَ التَّعْدَادِ حَقُّ الَّذِي يَسْتَأْذِنُ إنْ أَرَادَ اسْتِقْصَاءَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ، وَفِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَذَا مِنَ الأُنْسِ وَالتَّبَسُّطِ، لَا مِنَ الإِعْلَامِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنْ وَقَعَتْ الْعَيْنُ عَلَى الْعَيْنِ فَالسَّلَامُ قَدْ تَعَيَّنَ، وَلَا تُعَدُّ رُؤْيَتُك لَهُ إذْنًا لَك فِي دُخُولِك عَلَيْهِ؛ فَإِذَا قَضَيْت حَقَّ السَّلَامِ لِأَنَّك الْوَارِدُ حِينَئِذٍ تَقُولُ: أَدْخُلُ؟ فَإِنْ أَذِنَ لَك فَادْخُلْ وَإِلَّا رَجَعْت.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: هَذَا كُلُّهُ فِي بَيْتٍ لَيْسَ لَك؛ فَإِمَّا بَيْتُك الَّذِي تَسْكُنُهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَهْلُك فَلَا إذْنَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَعَك أُمُّك أَوْ أُخْتُك فَقَالُوا تَنَحْنَحْ وَاضْرِبْ بِرِجْلَيْك حَتَّى تَنْتَبِهَ1 لِدُخُولِك، لِأَنَّ الْأَهْلَ لَا حِشْمَةَ بَيْنَك وَبَيْنَهَا.
وَأَمَّا الْأُمُّ وَالْأُخْتُ فَقَدْ تَكُونُ2 عَلَى حَالَةٍ لَا [تُحِبُّ أَنْ] 3 تَرَاهَا فِيهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى أُمِّهِ وَأُخْتِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمَا.
وَقَدْ رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ:"نَعَمْ". قَالَ: إنِّي أَخْدُمُهَا. قَالَ:"اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا". قَالَ: فَعَاوَدَهُ ثَلَاثًا قَالَ:"أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟"قَالَ: لَا. قَالَ:"فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا".
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أَخَوَاتِي وَهُنَّ فِي
1 في"القرطبي": ينتبها لدخولك.
2"القرطبي": فقد يكونان.
3 من"القرطبي".