يُعْتِمُونَ بِحِلَابِ الْإِبِلِ"."
وَهَذِهِ أَخْبَارٌ مُتَعَارِضَةٌ لَا يُعْلَمُ مِنْهَا الْأَوَّلُ مِنَ الآخِرِ بِالتَّارِيخِ، لَكِنَّ كُلَّ حَدِيثٍ بِذَاتِهِ يُبَيِّنُ وَقْتَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ تَسْمِيَةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عِشَاءً، وَعَنْ تَسْمِيَةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ عَتَمَةً ثَابِتٌ؛ فَلَا مَرَدَّ لَهُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَضْلًا عَمَّنْ عَدَاهُمْ.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ صَلَاةُ الْعَتَمَةِ فَقَدْ أَثِمَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} فَاَللَّهُ سَمَّاهَا صَلَاةَ الْعِشَاءِ، فَأَحَبَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُسَمَّى بِمَا سَمَّاهَا بِهِ اللَّهُ، وَيُعَلِّمُهَا الْإِنْسَانُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، وَلَا يَقُلْ عَتَمَةً إلَّا عِنْدَ خِطَابِ مَنْ لَا يَفْهَمُ، وَقَدْ قَالَ حَسَّانُ1:
وَكَانَ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ
خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ
فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مِنْ لَطِيفٍ
يُؤَرِّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ} :
الْعَوْرَةُ كُلُّ شَيْءٍ لَا مَانِعَ دُونَهُ. وَمِنْهُ قَوْله تعالى: {إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} [الأحزاب: 13] أَيْ سَهْلَةُ الْمَدْخَلِ، لَا مَانِعَ دُونَهَا، فَبَيَّنَ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْإِذْنِ، وَهِيَ الْخَلْوَةُ فِي حَالِ الْعَوْرَةِ، فَتَعَيَّنَ امْتِثَالُهُ، وَتَعَذَّرَ نَسْخُهُ، ثُمَّ رُفِعَ الْجُنَاحُ بَعْدَهُنَّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَيْلُ بِالْعِتَابِ أَوْ الْعِقَابِ عَلَى الْفَاعِلِ، وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: ثُمَّ بَيَّنَ الْعِلَّةَ الْأَصْلِيَّةَ وَالْحَالَةَ الْأَهْلِيَّةَ، وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} :
أَيْ مُتَرَدِّدُونَ عَلَيْكُمْ فِي الْخِدْمَةِ، وَمَا لَا غِنَى بِكُمْ عَنْهُ مِنْهُمْ؛ فَسَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ ذَلِكَ، وَزَالَ الْمَانِعُ، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي الْهِرَّةِ حِينَ أَصْغَى2 لَهَا الْإِنَاءَ:"إنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ".
وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِحُكْمِ سُؤْرِهَا فِي مُبَاشَرَتِهَا النَّجَاسَةَ وَحَمْلِهَا أَبَدًا عَلَى الطَّهَارَةِ، إلَّا أَنْ يَرَى فِي فَمِهَا أَذًى.
1"ديوانه": [2] .
2 أصغى: أمال"النهاية".