فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَك، فَوَاَللَّهِ إنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنَّ يَوْمَهَا إلَى اللَّيْلِ.
فَأَخَذْت رِدَائِي، وَشَدَدْت عَلَيَّ ثِيَابِي، فَانْطَلَقْت، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَدَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْت لَهَا: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، قَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِك أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟
فَقَالَتْ: مَالِي وَلَك يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، عَلَيْك بِعَيْبَتِك.
فَدَخَلْت عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْت: قَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِك أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -!
قَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْت: أَتَهْجُرُهُ إحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إلَى اللَّيْلِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ. قُلْت: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَتْ، أَفَتَأْمَنُ إحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ، لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا، وَاسْأَلِينِي مَا بَدَا لَك، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُك هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا وَحُبُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إيَّاهَا؛ هِيَ أَوْسَمُ مِنْك، وَأَحَبُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْك يُرِيدُ عَائِشَةَ. لَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُحِبُّك، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَك؛ فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ.
وَدَخَلْت عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتهَا، فَقَالَتْ لِي: وَاعْجَبَا لَك يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، قَدْ دَخَلْت فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْغِي أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِ؛ وَإِنَّهُ كَسَرَنِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ مَا كُنْت أَجِدُ.
وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ فِي النُّزُولِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، وَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ، وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ تَغْزُونَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي ثُمَّ أَتَانِي عَشِيًّا، فَضَرَبَ بَابِي1، وَنَادَانِي، فَخَرَجْت إلَيْهِ، فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. فَقُلْت: مَاذَا؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ فَقَالَ: بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. فَقُلْت: مَا تَقُولُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ؟ فَقُلْت: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ، وَخَسِرَتْ، قَدْ كُنْت أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ؛ حَتَّى إذَا صَلَّيْت الصُّبْحَ شَدَدْت عَلَيَّ ثِيَابِي، ثُمَّ نَزَلْت، فَدَخَلْت عَلَى حَفْصَةَ، وَهِيَ تَبْكِي. فَقُلْت: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي، هُوَ هَذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ.
فَأَتَيْت غُلَامًا أَسْوَدَ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ مُدْلِيًا رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ2 مِنْ خَشَبٍ وَهُوَ جَذَعٌ
1 في م: بيدي.
2 نقير من خشب: جذع ينقر ويجعل فيه شبه المراقي يصعد عليه إلى الغرف"النهاية".