رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ، وَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى انْحَسَرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ وَكَشَّرَ1، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا.
فَقُلْت: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْك، قَالَ: نَعَمْ. فَجَلَسْت فَرَفَعْت بَصَرِي فِي الْبَيْتِ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ، إلَّا أُهُبًا2 ثَلَاثَةً، وَإِلَّا قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَقَرَظٌ3 مَصْبُورٌ فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ وَإِذَا أَفِيقٌ4 مُعَلَّقٌ؛ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيك يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ فَقُلْت: وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِك، وَهَذِهِ خَزَائِنُك لَا أَرَى فِيهَا شَيْئًا إلَّا مَا أَرَى، وَذَلِكَ5 كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الْأَنْهَارِ وَالثِّمَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ؟ وَقُلْت: اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ لِأُمَّتِك، فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ.
فَاسْتَوَى جَالِسًا، وَقَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا6.
فَقُلْت: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَإِنَّ عُمَرَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ عُمَرُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يُنَادِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] فَكُنْت أَنَا الَّذِي اسْتَنْبَطْت ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّخْيِيرِ.
وَكَانَ أَقْسَمَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، يَعْنِي مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ يَعْنِي قِصَّةَ شُرْبِ الْعَسَلِ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ.
هَذَا نَصُّ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمِيعًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى سِوَاهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَذَا الْحَدِيثُ بِطُولِهِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كِتَابُ الصَّحِيحِ يَجْمَعُ لَك جُمْلَةَ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَضِبَ عَلَى أَزْوَاجِهِ مِنْ أَجْلِ سُؤَالِهِنَّ لَهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ،
1 كشر عن أسنانه يكشر كشرًا: أبدى، يكون في الضحك وغيره.
2 الإرهاب ككتاب: الجلد، أو ما لم يدبغ، جمعه آهبة، وأهب بضمتين، وأهب بفتحتين"القاموس".
3 في أ: قرط، وهو تصحيف. مصبور: مجموع"النهاية".
4 أفيق: جلد لم يتم دباغه. وقيل: هو ما دبغ بغير القرظ"النهاية".
5 في م: وذكرت.
6"ابن ماجة": [1390] ، ومسلم [1107] .